فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 14

التي فقدت بأكملها، وهذه الجثث التي وجدت عالقةً بالأعمدة والأشجار، وآخرى لا تزال تستخرج من الحفر والمستنقعات، ومن تحت الركام وحطام السيارات، هذا أبٌ يحضن طفله وهما ميتان، ورجل يسير مع أربع نسوة فيأتي السيل ليخطف الأولى أمام عينيه والثانية والثالث والرابعة وهو لا يملك لهن شيئا، ثم يخطفه السيل هو ويجتاحه أيضا، وهذا يبحث عن جثة أمه ليجدها على بعد مسافةٍ طويلة حبسها عمود، وزوج مكلوم يبحث طول الوقت عن زوجته المفقودة، هؤلاء أقارب عند الحفرة ينتظرون، لعله يستخرج جثث أقاربهم منها على بعد كيلو مترات طويلة كانت فرق الإنقاذ تستخرج الجثث، هذه امرأة علا نحيبها تقول: رأيت جارتي وأطفالها الخمسة يموتون أمام عيني، ورب أسرة يقول: أنا وأولادي نطوف نبحث عن أمهم، تضرر الناس تضررًا بالغًا ..

فجائع الدنيا أنواعٌ منوعةٌ ... وللزمان مسراتٌ وأحزانُ ...

وَهَذِهِ الدَّارُ لا تبقِي على أحدٍ ... ولا يدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شانُ

وهكذا يعلم الإنسان حقيقة الدنيا، وأنها زائلة وأن الباقي هو الآخرة، ما الذي يثبّت الناس في هذه المحنة، إيمانهم بالله، ما الذي يعوضهم من هذا النقص الخطير الذي أصابهم، إيمانهم بقضاء الله وقدره، ما الذي يثبّتهم الرضا بالقضاء، ما الذي يكون في نفوسهم إذا أرادوا العوض الحقيقي انتظار ما عند الله في الدار الآخرة، وعندما يعلم الإنسان أن كل ما حدث مكتوب، قال الله: {لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الحديد: من الآية23) .

فلا عجب أن تجد عدد من المسلمين ولله الحمد نفوسهم طيبة رغم البلاء الذي أصابهم، ويتفكر الإنسان في هذا الماء، بعضه رحمة وبعضه عذاب، الماء ألين شيء وأخطر شيء، الماء منه كل شيءٍ حي، وكذلك هو سبب للموت والقتل والغرق.

يثبت الله به المؤمنين كما ثبت الصحابة {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} (الأنفال: من الآية11) .

ويبعثه على آخرين ليكون عذابًا {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفرقان:37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت