فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 14

ويوقن الذي ينظر لهذه الأحداث، بأن كل شيء مسخر بأمر الله عز وجل، فإذا قال لها: أمطري أمطرت، وإذا قال لها سيلي سالت، فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر، والضر والنفع بيده سبحانه وتعالى، وجنوده كثر، فهذه سيوله، وتلك زلازله، هذه براكينه وهذه مما يأمر به عز وجل كن فيكون، والناس ينظرون إلى الظاهر فيصابون بالدهشة وهم يرون هذا السيل العرمرم بدواماته الرهيبة وربما يغيب عنهم ما كان وراء ذلك من الحكم،

السيل يقطع ما يلقاه من شجر ... بين الجبال ومنه الأرض تنفطر ...

حتى يوافي عباب البحر تنظره ... قد اضمحل فلا يبقى له أثر

وهكذا تدفق الماء من كل مكان، لا جدران تصده، يدمر ما أتى عليه من أخضر ويابس، ويبتلع ما يبتلع، يقول أحدهم: عددت الجثث التي تطفو حولي فوجدتها ثمانٍ وثلاثين، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: من الآية28) .

ضعف إمكانيات البشر أمام قوة الله

ما حدث يدل دلالةً قاطعة على افتقاره الذاتي إلى الله، وأنه لا حول له ولا قوة إلا به، ومن رأى ضعف الناس أثناء الكارثة وبعدها، أمام هذا السيل الداهم ومخلفاته، علم قبح الغرور والتكبر، فلا بد أن يعرف الإنسان حقيقته، ومقداره وأنه ضعيف وأنه مفتقر إلى الله، فينطرح بين يديه طالبًا معونته، طالبًا تسديده، راغبًا في توفيقه، لا يستكبر عن عبادته ولا يتولى عن امره، لأن الله قوي عزيز، وأما الإنسان فإنه ضعيف، لقد رأينا بأم أعيننا، كيف أن الإنسان تكون منيته، في مكانٍ لا يتخيله، ولم يكن يدور بخلده أصلًا أن يموت في هذا المكان، أناس قدموا إلى جدة من مدن ودول أخرى قبل الكارثة بأيامٍ أو وقت يسير ليكون موعدهم مع الموت في هذا السيل، وليكون مدفنهم في وحله، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (لقمان: من الآية34) .

وآخرون خرجوا من بيوتهم بأسباب متعددة فأنجاهم الله عز وجل، وبعضهم أصر إصرارًا غريبًا تلك الليلة أن يبيت في مكان آخر فنجى، ولما خاف الناس في الحج من انفلونزا الخنازير، خرج بعضهم إلى الحج فكان خروجهم إلى الحج سببًا في نجاتهم، إن المصاب عظيم يا عباد الله، فهذه العائلات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت