وهكذا يا عباد الله فُقدت عائلات بأكملها، ذهب رجال ونساء وأطفال، و جثث ملقاة على الأرصفة، وأخرى في السيارات، وهكذا تحت الركام مدفونة، وأيضًا في الحفر وفي الطين. تُستخرج ولا زالت هذه الوفيات وهؤلاء الناس الذين فقد بعضهم كل شيء، بيته ومركبه وأهله وماله وحتى إثبات شخصيته وبطاقة الصراف، لم يعد يملك من حطام الدنيا شيئا، ذهبت موارد أرزاق الناس من ورش ومصانع، ومستودعاتٍ ومطاعم، وأضحى الكثير لا مأوى له وبعضهم يطوف بسيارته هو وأطفاله لا يجد مكانا أياما. ً هكذا خرج بعض الناس من السيل لا يملكون شيئًا حتى الملابس، لا ماء ولا كهرباء، انهيار وبكاء، بيوت تصدعت وأخرى على وشك الانهيار، أرامل وأطفال، يقيمون في العراء، والقمامة أرتال كالجبال، ومستنقعات في وسط الأحياء، تحوم حولها الحشرات، ومساجد مقفلة، وهكذا صورت هذه الكارثة العظيمة التي هي بحقٍ يؤرخ بها، فإنه لم يأت مثلها إلا ما كان من أربعين سنة تقريبًا، لما جاء المطر في جدة ومكة وطاف الناس حول البيت سباحةً، ومن تأمل التاريخ وجد من هذه السيول التي يقدرها الله سبحانه وتعالى ويكتبها كما يشاء سبحانه، وهو الذي يملك الخلق ويتصرف فيهم كيف يشاء، تعطلت أنظمة، وأصبحت هذه الآليات وهذه البرمجيات لا تغنى شيئا،
لِكُلِّ شَيءٍ إذا ما تمَّ نُقصَانُ ... فلا يغرُّ بطِيب العَيشِ إنسانُ ...
وأيضًا فإنه ينبغي للمؤمن أن يتأمل في الحكمة البالغة، فكل شيء بقدر الله، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وليس شيء يحول دون أمره تعالى، يطمئن المؤمن الموحّد، أن أمر الله تعالى سابق، وأن مشيئته نافذه، {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:51) .
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} (الحديد:22) .
فالمؤمن يعلم أن هذا كله مكتوب عند الله تعالى، وأن لله الحكمة البالغة، وأنه عز وجل يأتي بالآيات تخويفًا لعباده: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (الأنعام: من الآية42) .