والواضح كذلك أن الاشتقاق علم مشترك بين الصرفيين واللغويين الذين احتاجوا إليه حين قاموا بوضع المعاجم الأولى، وكان أشد اهتمامهم في بادئ الأمر على انتهاج تصنيف مواد اللغة بحسب مخارج الحروف مثلما فعل الخليل بن أحمد الفراهيدي، أو على أصول الكلمات كما هو الحال لدى الأزهري في مقاييس اللغة، في حين يذكر التاريخ كثيرًا من التأليف التي خص فيها أصحابها الاشتقاق بحيزات وافرة من الشرح والتفصيل والتطبيق17. حتى لا نغرق بحثنا في لجة لا تخدم البحث وننساق وراء تعريفات الاشتقاق التي أغرقت بها مؤلفات فقه اللغة العربية. فإن أهم طريق في الاشتقاق يعنينا همنا هو الاشتقاق الصرفي أو الصغير، ذلك لأنه طريقة من الطرائق الأساسية في وضع المصطلحات في حين يتشاكل (الاشتقاق الكبار) مع طريقة النحت التي اخترناها طريقة أخرى في توليد المصطلح والمصطلح السيميائي بوجه أخص.
فالاشتقاق الأصغر مثلًا: هو الأكثر استعمالًا في اللغة العربية قوامه"تقليب تصاريف الكلمة حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ دلالة إطراد أو حروفًا غالبًا كضرب فإنه دال على مطلق الضرب فقط"18.. وهو الأمر الذي يجعلنا استقراء قول السيوطي حين اعتقد أن الاشتقاق الأصغر له الدور الحاسم في توسيع اللغة وتوليد القسم الكبير من مفرداتها، ضرب من ضروب المصادر ذات المعاني المطلقة وتحويلها إلى صور مختلفة.
أما الاشتقاق الأكبر فهو ابتكار ابن جني الذي أرجعه هو نفسه إلى شيخه علي الفارسي، وهو القائل"هذا موضع لم يسمّه أحد من أصحابنا، غير أن أبا علي ـ رحمه الله ـ كان يستعين به ويخلد إليه مع أعواز الاشتقاق الأصغر، لكنّه مع هذا لم يسمّه، وإنّما كان يعتاده عند الضرورة"19.