الصفحة 61 من 358

وفي المساق ذاته يقول ابن فارس"أن العرب تشتق بعض الكلام من بعض وإن اسم الجن من الاجتنان وأن الجيم والنون تدلاّن أبدًا على الستر"14 وعليه، فابن فارس لا يبتعد كثيرًا عن مسألة توقيفية نشأة اللغة واعتباطية اللغة وتعسفها بما في ذلك الاشتقاق، أي أن الكلمات الأولى تواضع عليها الناس الأولون كرموز لمسميات كانت كافية في بداية الأمر لمستوى الحياة البشرية الأولى وسواها من الطروحات.

وقريب من هذا التحديد لابن فارس، فقد صبّ اللغويون كامل جهدهم الجهيد في استخراج المصطلحات عن طريق الاشتقاق لتكون في متناول القراء، على الرغم من اختلاف رؤاهم ونظرياتهم إزاء هذه الآلية العلمية، فهناك من كان يزعم أن (الكلم) أصل كله، منكرًا للاشتقاق، وأسرف آخرون فرأوا أن الكلم كله مشتق. بيد أن واقع اللغة العربية أثبت ويثبت أن الاشتقاق اعتمد على أصول كانت موضوعة.

وفي نفس المنهج، فقد عرّف علماء اللغة المحدثون الاشتقاق بأنه توليد الألفاظ بعضها من بعض ولا يتسنى ذلك إلا من الألفاظ التي بينها أصل واحد ترجع وتتولد منه، فهو في الألفاظ أشبه ما يكون بالرابطة السببية بين الناس"."

وعليه، يبقى الاشتقاق عملية استخراج لفظ من لفظ، أو صوغه في أخرى بحيث تظل الفروع المولدة متصلة بالأصل، والمعنى أن أخذ لفظ من آخر مع تناسب بينهما. في المعنى وتغيير في اللفظ من شأنه أن يقدم لنا زيادة على المعنى الأصلي، وبهذه الزيادة يوجد الاشتقاق بغض النظر عن تقسيماته15..

وهكذا فإن معظم فقهاء اللغة يجمعون على مصطلح derivation مقابلًا للفظ العربي اشتقاق 16 يعني به في أبسط التحديدات توالد وتكاثر جملة من المفردات، أي اشتقاق ألفاظ جديدة من ألفاظ قد وضعت، كما اشتق المعنى الثاني من المعنى الأول، وهو من أبرز ما يمتاز به اللسان العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت