فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 70

كانت لك أم قبل قليل.. كانت رائعة وجميلة، ولكنها ذهبت فبقيت وحيدًا. أنت الآن وحيد في هذه الدنيا مع هذا الناي ومع الكأس.. هذا الناي أعز صديق لك منذ زمان هكذا ربّتْ عليه.. امسحه بكم يدك وامسح من جديد عينيك من الدموع ضم الناي إلى صدرك.. قبّله.. مد قليلًا بصرك.. اترك بصرك يسرح بعض الأمتار.. هذا بقربك سرير الأم.. هو الآن سرير بارد.. أمك الجميلة ها قد ذهبت وظللت وحيدًا. كنت تود أن ترتل القرآن على جثتها.. أن تبيت الليلة تقرأ ولا تتوقف أبدًا الدهر عن الترتيل لكنك يا حمو لا تحفظ شيئًا. أنت لم تدخل مدرسة أو كتابًا برغم بلوغك تقريبًا سن الرشد.. المدرسة والتعلم موضوع آخر.. أنت لم تخلق أبدًا كي تتعلم. أمك ما فكرت في ذلك إطلاقًا.. همومها يا حمو كانت أبعد من ذلك.. أمك كانت ملكًا.. كانت رائعة ملأت قلبك طول العمر بكل حنان.. علمتك أن تكون رقيقًا.. أن تحب الطبيعة وتحب الناس وتحب الدنيا..

وتعلمت النفخ في الناي واتقنته اتقانًا.. وأنت الآن أمام الفراغ وأمام الناي.. يجب أن تقدم شيئًا رائعًا لأمك الرائعة يا حمو. الليلة عرس الدنيا.. اعزف يا حمو واشرب. أنت الآن وحيد رفضوا أن يأتوا.. كنت ترجو أن يتألف هذي الليلة جمع كبير ليرتل ترتيلا ويبارك روح الأم.. ولكن ها قد مر الليل ولم يأت أحد وأنت لا تحفظ شيئًا لترتله من أعماق القلب.. أنت، لا تملك إلا هذا الناي والعرس عظيم هذي الليلة.. جمّع أنفاسك يا حمو أرسلها عبر الناي حزينة.. أنت لا تملك في هذي الدنيا شيئًا غير اللحن.. كل الناس يملكون هنا كل الأشياء إلا أنت لذلك يا حمو تختلف عن الكل هنا.. هؤلاء لهم قصور وبيوت كبيرة يختبئون بها.. أما أنت فبيتك هذي الأرض الواسعة.. الجبال العالية والغابات الخضراء.. أنت يا حمو تملك أن تمد البصر بعيدًا.. بعيدًا عبر السهول وعبر الوديان.. أنت حين تسند ظهرك إلى شجرة العرعار الكبيرة الواقعة بظهر القرية وتمسك القصبة وترسل بصرك بعيدًا ثم تبدأ العزف وأنت تحاول أن تستوحي المكان الذي جاءت منه أمك قبل سنوات تحملك على ذراعيها طفلًا صغيرًا، حين تفعل ذلك تكون يا حمو قد ملكت الدنيا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت