الصفحة 22 من 95

المَعْلَم الثاني من معالم موقف الكفار من القرآن: التكلف والتعسف لتسويغ موقفهم المكذب للقرآن:

وذلك يتجلى واضحًا في حيرة بعض فصحائهم عندما استمع إلى القرآن فلم يجد أحسن منه كلامًا، وأفصح منه لفظًا، وأرقى منه فكرًا، فعاد إلى قومه بهذا الرأي في القرآن، فنهروه ولم يرضوا منه إلا أن يقول في القرآن قولًا يناسب ما هم عليه من كفر وتكذيب به.

وهذا ما جاء مفصلًا في حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا كثيرًا، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قِبَله، قال: قد علمتْ قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز، ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنَزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [1] .

(1) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: ك / التفسير، ب / تفسير سورة المدثر 2/ 507، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وأقره الذهبي في التلخيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت