الصفحة 13 من 51

4 -الزعم بأنه أخذ عن الحنفاء.

كان في الحجاز قبل الإسلام حنفاء يؤمنون بالله وحده ولا يدينون اليهودية ولا النصرانية. كانوا يدينون دين إبراهيم وينتظرون نبيًا يحيي هذا الدين من جديد. ومع ذلك كانوا قليلًا يمكن تعدادهم. هم يؤلفون فرقة لا تنتسب إلى الوثنية, وأفكارهم مبهمة. يزعم أرناست رنان أنهم يمثلون فكرة عصرهم وثقافته [1] . والحق أن العرب كلهم تقريبًا كانوا وثنيين لا يهتمون بفكرة الحنفاء ولا التوحيد, ولا ترى في أدب العرب حتى في المعلقات أيَّ فكر ديني. ومع ذلك فإن تعاليم الحنفاء لا تحوي شيئًا مهمًا جدًا. وفي الحقيقة كان الحنفاء ينتظرون نبيًا يُصْلح أحوال العرب؛ لأنهم كانوا لا يعبدون الأصنام ولا يظلمون الضعفاء. وقد كان هؤلاء بضعة نفر من العرب أدركوا ما عليه قومهم من ضلال وانحراف, فبحثوا عن الهداية في اليهودية والنصرانية فلم يجدوا فيهما ما يروي الغليل, فاطلعوا على الكتب المقدسة لدى الديانتين.

كان الحنفاء لا يعرفون من مفاهيم القرآن شيئًا ذا بال, فلا يعرفون كيف يعبدون الله؛ فمثلًا زيد بن عمرو بن نفيل يعترف أنه لا يعرف كيف يعبد الله تعالى؛ [2] لأنهم كانوا لا يملكون كتابًا ولا صحيفة [3] وليسوا جماعة, إنما هم ذوو خلق حسن بالنسبة للوثنيين. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تعلَّم الدين منهم لكان أحدهم أليق بادعاء النبوة لأنه كان أستاذًا. فالحق للأستاذ لا للتلميذ, ولكن لم يَدَّع أحدهم أنه نبيّ أو رسول, ولم يَقُلْ أحدهم إن محمدًا تعلَّم

(2) ابن هشام، السيرة النبوية، 1/ 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت