لقد توضحت المشكلة، وبانت طريقة التحليل التجزيئية عند الدارسين المتقدمين والذي اضطرهم إلى ذلك معالجة النص القرآني معالجة كاملة، لم تتح لهم متسعًا من الوقت ليتحروا في أصول ما يقولون في كثير من المواقف، ولكن ابن هشام الأنصاري ت 761هـ كان ينظر إلى هذه المشكلة وهو يجمع الآيات في المعنى نظرة خاصة، عبر عنها عندما نقل قول بعضهم بخصوص الاستقبال الأزيد في (سوف) بقوله: وليس بمطرد (16) . هذه المقولة دعت الباحث إلى إعادة النظرة في الآيات التي وردت فيها هاتان الأداتان، وانطلاقًا من فهم عبد القاهر الجرجاني الذي طالما نبّه في دلائله على قضية استدعاء بعض الألفاظ لبعض، واقتضاء كلمة لأخرى دون ما عداها وتمازج تركيب مع تركيب دون ما سواه، بحيث لو استبدلنا لفظًا من السلسلة بمرادفه لكان نشازًا لا يقبله العربي الناطق الفصيح، يقول:"وليس النظم ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق، ولذلك كان عندهم نظيرًا للنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لوضع كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح" (17) فوضع السين وسوف كان لتركيب بنائي محكم، لو استبدلنا أحدهما مكان الآخر لاختلفت البنية العرفية التي اتفق عليها الناطقون، ومن ثم اختلفت دلالتها الخاضعة لقانون التركيب القواعدي، والنحاة لم يتعرضوا إلى أكثر من دخولها على الفعل المضارع، ولكن متى تدخل؟ وما يعقبها من أفعال؟ وما نوعية التراكيب اللاحقة لها؟ وأي الأفعال التي يتقدمها وتعطف عليه؟ كل هذا كان مهملًا وهم يضعون قواعد السين وسوف، ولا يجب أن نتناسى المقتضيات البنائية الداعية لكل من الأداتين فنحرم أنفسنا متعة الفهم الدقيق لتوزيع الأداتين في القرآن توزيعًا منظماتً بالغ الأهمية.