وشيء آخر ، وهو أن علما العصر يقررون أن النطفة المنوية مملوءة الحيوانات الحية المتحركة ، ونحن لا نحس ذلك ولا نبصره ، ويقررون أن هذه الحيوانات المنوية تعذب وتنعم ، وتموت ، وتقتل، وتمشي ، وتروح ، وتجيء ، ولا نرى من ذلك شيئًا . وقد كان هذا باطلا ومحالا من أن يخرج"الميكرسكوب". إذا لا يجوز تكذيب الأمر اعتمادًا على عدم إحساسه ، ومن فعل ذلك كان غالطا ، كما كان غالطا من كذب بهذه الحيوانات المنوية، لأنه لم ينظر بالميكرسكوب ، أو لأن الله تعالى لم يخلق الميكرسكوب .
وشيء آخر . وهو أن علماء النبات حققوا أن للنبات شعورًا بالآلام وبالموت ، وحققوا أن له تنفسًا ونفسًا ، فما لنا ننكر مثله للأموات أو للأرواح التي انتقلت من دار إلى دار ؟ هذا عين الغبن في التفكير . إن النائم الذاهب في النوم إلى حد الهمود قد يكون في جسمه وفي لحمه ودمه من الحيوانات والأمراض ما يمزق لحمه ، ويمتص دمه ، وينخر عظامه، وما يتقاتل على ما فيه من إذا ، وهو خامد هامد أمامنا، لا نشعر بشيء من ذلك، ولا نرى شيئًا منه . وما قلنا: إن هذا باطل لأننا لا نحسه ولا نراه . وإن النائم أيضًا قد يجد أشد الآلام ، ويعاني العذاب النكر ، وهو نائم ساكن لا حركة ولا تألم ، ونحن لم نر من ذلك شيئًا . و قد يرى أنه يضرب و يعذب ، فيقوم فزعًا منفجعًا . و قد يجد في بدنه مواقع الإيلام والضرب . وما أنكرنا شيئًا منه لأننا لم نبصره . بل قد يكون الإنسان في أشد العذاب في نفسه وجسمه ، وهو جالس أمامنا كأنه ليس به شيء ، وكأنه لا يحس شيئًا .
إذًا الشبهة على عذاب القبر ـ وهي أننا لا نشاهد هذا العذاب ـ شبهة داحضة . وما قال عاقل إن الموجودات منحصرة كلها في المحسوسات وإن ما ليس محسوسا ليس موجودًا.