ولو لا الأرواح أو ما وراء المادة لما وقع كل هذا التفاوت بين أفراد الإنسان، وبين نوع الإنسان، وأنواع الحيوانات. فلا يمكن أن يكون هذا التفاوت العظيم في المعارف والعلوم، والكرم والشجاعة، وسائر الصفات، في هذه المخلوقات منشؤه تفاوت الأجسام واستعدادها. وقد تجد الأضعف جسمًا هو الأقوى فهمًا وعلمًا، والعكس بالعكس. ومادة الأجسام واحدة ، مركبة من عناصر متساوية .
وإن كل إنسان يقول ( أنا ) يعلم ضرورة أنه لا يقصد بهذه الكلمة ( أنا ) هذا الجسم المادي المركب منه جسم الفرس والهر والجمل والوحش، وإنما يعني بقوله ( أنا ) أمرًا فوق ذلك وأشرف منه، هو الروح.
و قد تواترت عند سائر الأمم ، مؤمنها وكافرها ، أنه قد وجدت خوارق كثيرة على أيدي كثيرين من الأنبياء و الأولياء والسحرة والعرافين والدجالين . هذه أشيا تواتر وجودها بالجملة ، وهي لا يمكن أن تكون من عمل المادة وحدها فأن ذلك خارج ناموس العالم المادي .
و إنني أعلم ، وأنا أكتب ما أكتب أن هذا الذي أكتبه، وأصنفه، وأشعر به ، و أحسه ، وينطوي عليه جسمي من أمل فياض، وإرادات لا نهاية لها: أعلم أن هذه الأمور ليست لجسمي هذا الترابي النحيل . إنني أعلم ذلك ضرورة . وكل أحد فيما أعلم يجد ما أجد. وأعرف أن ذلك لشيء قد انطوى عليه جسمي، أو انطوى هو على جسمي ، وهو ليس ماديًا .
وإن موت الإنسان وحياته برهان لا ينازع على العالم الروحاني وإلا فلماذا يفقد الحي مرة واحدة ، في لحظة واحدة ، جميع معلوماته ، وشعوره ،
وحركاته ، و كل شيء يكون بالحياة . يفقد ذلك كله بأهون الأسباب بمجرد ضربة ، أو لسعة ، أو خنقه ، ثم لا يمكن إعادة هذه الأشياء ولا بعضها إلى هذا الحي الذي فقدها ، إن شأن فوق شأن الماديات . فلا بد أن يكون في هذا الجسم الذي نقول عليه"مات"شيء يفارقه . فإذا فارقه قلنا: إنه مات ، وإذا سكن فيه قلنا: إنه حي .
وبالجملة فالبراهين على العالم الروحاني لا يحصرها حاصر