هذا ولتعلم أن في وقوع هذه الأعراض المتنوعة بالأنبياء ـ وهم خير خلق الله، وأكرمهم عليه ـ فوائد ترجع للعقيدة وغيرها. فإن من علم بأن أنبياء الله تصيبهم هذه الأعراض لم يغل فيهم كما غلت اليهود والنصارى في أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم ، فإن من ظهر الضعف وأمارات العبودية والإفتقار عليه ضعف الافتتان به، وقل الغلو فيه. وظهور القوة والكمال في الإنسان يوقع في الغلو فيه وما الّه النصارى المسيح وأمه إلا لأجل ما وهبه الله من آثار القوة ، مثل إحياء الموتى وغيره . والغلو في العباد خطر على العقيدة . خطر على الإيمان . وما غيّر التوحيد سواه. ولولاه ما رأيت هؤلاء الطائفين بالأضرحة والقبور ، ولما رأيت هذه الفتنة العظمى بالمشايخ و الأولياء رضي الله عنهم ، التي كادت تكون عامة في الأمم الإسلامية .ولولا الغلو لما ارتطم المسلمون فيما قال حافظ إبراهيم يخاطب الشيخ محمد عبده:
إمام الهدى إني أرى الناس أحدثوا لهم بدعًا عنها الشريعة تعزف
رأوا في قبور الميتين حياتهم فقاموا إلى تلك القبور وطوفوا
وباتوا عليها عاكفين كأنها على صنم في الجاهلية عُكَّف
وما ذكر القرآن الكريم عن الأنبياء تلك الأمور التي عاتبهم عليها للتشهير بهم ، والإشادة بأخطائهم ، بل ما ذكر ذلك إلا لأجل ما ذكرنا . وما يقول القرآن ، آمرًا أفضل خلقه وخاتم رسله عليه السلام ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا ) . قل ما أنا إلا إنسان مثلكم أمرض كما تمرضون وأجوع كما تجوعون وأخاف كما تخافون وأموت كما تموتون . وأما المنزه عن ذلك كله فهو الله سبحانه ، وهو إله واحد لا شريك له في ذلك ،
فاعبدوه وحده ودعوا ما سواه .