وإذا تغاير القصدان لم يكن هناك تصديق ولا موافقة . وهل يقدر المخالفون أن يقولوا: إن مراد هؤلاء الذين قالوا ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورًا ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم سحر وقتا ما، وناله بعض التغير، ثم أدركه الله بالشفاء ، وحفظ وحيه ودينه من أن يصل إليه شيء من ذلك التغيير والتخييل ؟ أم أنهم يريدون إن هذا القرآن الذي جاء به ، والدين الذي شرعه ، ليس هو كلام الله ، ولا من عند الله ، وإنما هو صادر عن هذيان ، وتغير بال ؟ هذا هو ما يعنون ، و هم كاذبون فيه ، والحديث لا يصدقهم ولا من صدق الحديث . والأمر واضح بين .
وأما الشبهة الثانية ، وهي جواز الاختلاط عليه في الوحي فنقول: أولًا ـ نحن ما علمنا عصمته من ذلك ، لعلمنا انه لم يسحر ، ولا يجوز عليه السحر . بل علمنا انه معصوم في تبليغه ببراهين أخرى كثيرة منها أن الرسول لا بد أن يكون معصوما من الخطأ في البلاغ . وهذا البرهان موجود في حالة السحر وغيرها . وإذا كان البرهان على العصمة مما خافوه موجودًا في جميع الحالات لم نخش ما ذكروا ، ولم نجوزه عليه في حين ما . ولا أظن قارئًا يتدبر ذلك جيدًا ثم يشك فيه .
ثانيًا ـ إما أن يكون لدى هؤلاء براهين على أن الرسول معصوم من الخطأ في البلاغ، أم ليس لديهم شيء من ذلك إلا علمهم أنه لا يسحر. فان كان الأول، فماذا يضر وجود السحر، والبراهين المانعة من وجود ما خافوه موجودة في الحالين، وموجودة أبدا ؟ وإن كان الثاني قلنا لهم: ومن أين علمتم انه لا يسحر ، وانه لا يجوز أن يسحر، وأنتم لا تعلمون عصمته إلا من عصمته من السحر ؟ أي فما البرهان على العصمة من الوقوع في السحر ؟ أليس هذا من التدليل على الشيء بنفسه . و أيضا ـ على الفرض الأخير ـ ما التدليل على عصمته من غير السحر ، وما الدليل على أنه معصوم من الخطأ في التبليغ ، وقد فرضنا انه لا برهان معهم على عصمته من ذلك إلا قولهم انه معصوم من السحر .