الصفحة 4 من 186

والمشاهدة . فأن الحس هو رسول العقل الذي يؤدي إليه الحقائق ، فلا يمكن الطعن في الرسول وإلا كان طعنًا في المرسل . قالوا: وهل هذا إلا نظير أن يقال: إن الجمادات والأحجار التي أمامنا تعذب، وتشعر بعذابها ، وتنعم ، وتشعر بنعيمها ، وإنها تتكلم وتفهم الكلام ، وتروح ، وتجيء ؟ وهل مثل هذا يقرب حدود العقل والصواب ؟

هذه شبهات على عذاب القبر ، تتردد في صدور أغلب أهل هذا العصر ، وقد تتردد على شفاه فريق منهم ، وربما جعلوها مقادح في الإسلام . أما المشفقون على دينهم ، الحريصون عليه ، إما التربية صالحة ، أو لصلاح فطري فيغضون على ذلك إغضاء ، ويتأثمون من التفكير فيه ، كما يتأثمون من المباحثة فيه ، هروبًا من الشك والبعد عن الإيمان .

ونحن نقول: إن هذه الشبهات لا تقع إلا في صدر من يحسب الإنسان هو هذا الجسم المادي، والهيكل الترابي، الذي يذهب ويجيء ، ويتغير في اليوم هو هذا الجسم المادي ، والهيكل الترابي، الذي يذهب ويجيء ، ويتغير في اليوم ، والذي يذهبه المرض والجوع ، وتأتي به الصحة والطعام والشراب الذي يتركب من الخبز ونحوه ، والذي يزيد وينقص . فالذي يحسب الإنسان كله عبارة عن هذا فقد تجثم في صدره هذه الشبهات، وقد تقلق باله، وتقضي على راحته . أما من عرف الإنسان حقيقة ، العالم حقيقة ، المؤمن حقيقة ، المتألم حقيقة ، ذلك الأمر السماوي الروحاني ، ذلك الذي هو فوق المادة ، و فوق التراب ، الذي هو الروح ، تلاشت من حوله الشبهات ، وتبددت ، ولم يجد في الإيمان بعذاب القبر ونعيمه غضاضة ، بل لم يجد بدًا منه .

وقد أجمعت الأديان ، ولا أستثنى دينًا . وأجمع العقلاء ، ولا أستثنى عاقلًا ـ إلا من لا يؤبه بهم ـ على الإيمان بالعالم الروحاني ، وعلى الإيمان بما وراء المادة . وقد ألف الحكماء الأقدمون من البراهين على ذلك الشيء الكثير ، وذكروا ما فيه مقنع لكل من طلب الحق . وقد كشف هذا العصر براهين جديدة قاهرة على ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت