تواترت الأحاديث النبوية ان الإنسان إذا مات ووضع في قبره جاءته الملائكة تمتحنه فيما قدم ، فأن كان من المؤمنين المصلحين لقي هنالك عذابًا نكرًا ، والعياذ بالله . وري ذلك في أصح كتب السنة . ودل على ذلك أيضًا كتاب الله في مواضع منه . ففي سورة نوح: { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا } ، وفي سورة التحريم: { فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين } ، وفي سورة يس: { قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } ، وفي آخر سورة الواقعة إشارة إلى ذلك ، وفي سورة الأنعام: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق } ، وقال أيضًا { وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ، وقد أمر المصلون أن يستعيذوا في ختام صلواتهم من عذاب القبر ، صحت في ذلك الأحاديث، ورأى فريق من العلماء أن من لم يستعذ من عذاب القبر في صلاته فصلاته غير صحيحة .
وقد استشكل الذين يعولون على المادة والحس عذاب القبر ، و قالوا: إننا نشاهد الميت جثة هامدة: لا حراك ، ولا شعور ، ولا إحساس ، ولا أثر لشيء من ذلك . فكيف ينالها ذلك ؟ أم كيف يمكن أن يصح ما ذكرت روايات عذاب القبر أن الملائكة يجيئون الميت ، ويقعدونه ويسألونه ، ويجاوبهم ، فأن كان كافرًا ضربوه بمطارق من حديد فالتقت أضالعه ، وإن كان مؤمنًا لقي نعيمًا وروحًا وريحانًا. قالوا: ونحن لو حفرنا على الميت ما وجدنا شيئًا من ذلك ، بل لوجدناه جمادًا لا يحس . قالوا: وهل هذا إلا مخالفة للمشاهدة والحس ؟ ولا نظن دين الإسلام . دين العقل والبرهان . يجوز مخالفة الحس