وأيضًا إن ذلك وقع ليلًا، حينما نام أكثر الناس واستكنوا في بيوتهم، وقل الخارجون الناظرون إلى السماء. وقع في هذه الحالة لحظة قليلة، في مثلها يقل الناظر الفاطن له.
وأيضًا يجوز أن يكونوا رأوه، وفطن له خلق كثير منهم، ولكن خونوا عيونهم وخالوه خيالًا، لاستبعادهم أن يحصل مثله حقيقة، فهم يكادون يرونه من المحالات، فلم يذكره المؤلفون منهم لذلك سواء.
برهان ضروري على وقوع هذه المعجزة:-
لا شك أن القمر قد شاع في زمن التابعين، واشتهر أيما اشتهار، وحدث به الأئمة منهم الذين قولهم هو القول وحديثهم هو الحديث، وان الناس تلقوه عنهم بالتسليم والتصديق، وحدثوا به هم أيضًا من لا يقدرون من الرواة. ولا ريب انه لم تأت رواية ـ لا صحيحة ولا ضعيفة ـ أن أحدًا في ذلك العصر الزاخر بالصحابة والتابعين والعلماء والحكماء كذب ذلك، وقدح في روايته وراويه. هذان أمران أو مقدمتان لا شك فيهما عند من له إلمام بالرواية. فإذا انضم إليهما ما يعلم بالضرورة والتواتر عن أهل ذلك العصر، من العناية بالعلم و نقده وتمييز صادقه من كاذبة، وعليلة من صحيحه، بلا هوادة ولا مصانعة، وانضم إليهما أيضًا أن هذه المعجزة حادث عظيم، وآية كبرى، لا يمكن أن تكون مجهولة خفية على علماء ذلك العصر، لأنها من الأحداث الكونية الظاهرة، ومن المعجزات التي تحدى بها رسول الإسلام قومه وعزز بها دعوته، وجعلها من جملة براهينه على صدق رسالته: إذا علمنا هذه المقدمات الأربع علمنا يقينًا أن هذه المعجزة وقعت حقًا ،
وعلمنا يقينًا انه لا يمكن أن تكون كذبا، وأنها لو كانت كذلك لتوارد عن علماء ذلك العصر من الصحابة و التابعين إكذابها، والرد على ناقلها، ولما أمكن أن تشيع هذه الأكذوبة العظيمة في ذلك العهد، فلا يوجد من يكشفها، مع معرفة القوم وإحاطتهم بأحوال رسولهم وآثاره و آياته الصغيرة و الكبيرة، وإحاطتهم بذلك كله بالدقة النادرة.