قالوا: إن سنة الله التي لا تبديل لها أن يهلك المكذبين بلا إمهال بعد أن يرسل الآيات المادية. فإذا ما أنزل على أمة من الأمم آية مادية من الآيات معجزة لرسول من الرسل فلم يؤمنوا وأصروا على كفرانهم وضلالهم أهلكهم بلا إمهال، كما أهلك قوم نوح وصالح وموسى وشعيب ولوط وغيرهم. فلو كان القمر انشق حقيقة معجزة له - صلى الله عليه وسلم - لوجب أن يهلك قريشًا لأنهم لم يؤمنوا بعد ذلك بل كذبوا وأعرضوا كما قال في السورة ( و إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) إلى آخر الآيات، وهم لم يهلكوا، فلا جرم أن تكون مسألة الانشقاق أسطورة من الأساطير، هذا تحبير هذه الشبهة، وهي غلط لا حيلة فيه وإن حسبها أصحابها معجزة قاهرة. وبيان ذلك أن الله لم يهلك المكذبين الكافرين بمجرد أن كذبوا بعد الآيات سواء أكانت باقتراح أم بغير اقتراح، وإنما أهلك تلك الأمم بعد أن أسرفوا في الفساد وتمادوا في الكفر حتى قنط أنبياؤهم من إيمانهم. فنوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهم له مكذبون كافرون، بعد أن أرسل الله لهم الآيات بأعوام، ولم يهلكهم في هذه المدة المديدة، بل لم يهلكهم إلا بعد أن أيس نوح من إيمانهم و إيمان ذرياتهم، فدعا الله عليهم فأهلكهم كما هو مذكور في القرآن. و كذلك فرعون و قومه لم يغرقوا بمجرد أن كذبوا موسى عليه السلام بعد أن جاءهم بالآيات التي اقترحوها، وإنما أغرقوا بعد أن هرب موسى بقومه، فأتبعوهم لأخذهم وإبادتهم، فأخذهم الله ذلك الأخذ العنيف، و نجى رسوله و قومه . وما كان إغراقهم بمجرد التكذيب، وإلا لما تركوا إلى ذلك اليوم. ومثل هؤلاء قوم صالح، لم يهلكوا بعد أن جاءهم صالح بالآية الكبرى ـ وهي ناقة الله ـ وكذبوا، بل أهلكوا بعد أن عقروها. وما كان مطلق التكذيب موجبًا ذلك. ومثل هؤلاء قوم لوط، لم يأخذهم الله ذلك الأخذ