الصفحة 27 من 186

وجاء أن عمر بن الخطاب نادى ـ وهو يخطب المسلمين فوق منبر المدينة ـ قائد جيوشه وهو في بلاد فارس قال: يا سارية: الجبل ـ يا سارية الجبل ـ فسمعه القائد فانحاز بالجيش إلى الجبل. وجاء أن خالد بن الوليد شرب السم وسلم منه، وأن بعضهم نزل عليه دلو من السماء، وبعضهم كانت تضيء له عصاه إذا قام من عند رسول الله في الظلام. ونظائر هذا عديدة. وليس منها شيء متواترًا التواتر الذي يعنون. فهل تكون كلها كذبًا ؟ هذا القدح يقتضي تكذيبها، وهذا لا يقوله من يعرف ما يقول.

وأيضًا التواتر إما أن يراد به شهرة المتواتر وذيوعه وكثرة من رووه وعرفوه، وإما أن يراد به روايته بالأسانيد الصحيحة على شريطة المحدثين متواترًا بنفس الأسانيد

الصحيحة. إن أريد الأول فلماذا لا يكون حديث الانشقاق متواترًا ؟ فقد اشتهر أي اشتهار، وروي فيما لا يعد من الكتب القديمة والحديثة، وعرفه الخاصة والعامة، وما برح المسلمون يستدلون به على المخالفين، ويضعونه في حساب المعجزات الإسلامية. وكم من الأمور ما يؤمن هؤلاء بأنها متواترة مع أنها لم تشتهر اشتهار انشقاق القمر. وإن أريد

الثاني لم يكن صحيحا، فإن المتواتر لا يشترط فيه أن يكون تواتره بالأسانيد

الصحيحة ، بل يكون التواتر برواية الكفار والفساق . وأكبر الأمور التاريخية والدينية ليست متواترة على هذا التعريف .

وأيضًا الانشقاق جاء في القرآن ، والقرآن متواتر ، وليس يلازم أن يكون التواتر بروايات الحديث، وإنما المراد التواتر فقط، وأما التنصل من ذلك بتأويل الآية فليس بدافع وجود التواتر لأن المتواترات جميعًا يمكن تسليط التأويل عليها . وقد أول أقوام من الملحدين ما في القرآن من شئون البعث، والحساب، والعقاب، والجنة، والنار، وعذاب القبر، وعالم الأرواح، مع أنها متواترة. على أن التأويل يدرك الروايات كما يدرك الآية فلو جاء الانشقاق في الحديث متواترًا كما اقترح هؤلاء لأولوه كما فعلوا في الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت