فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 289

أراد الله تعالى أن يُلحِق عليا ـ رضي الله عنه ـ بإخوانه السابقين شهيدا في زمرة الصالحين؛ فاجتمع ثلاثة من الخوارج، فتذاكرُوا ما حَلّ بأصحابهم في النهروان وغيرها، وعابوا على ولاتهم، وما صار إليه حال الأمة، ثم ذكروا أهل النهروان، فترحّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخوانُنا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شَرَيْنَا أنفسَنا فأتَيْنا أئمة الضلالة فالْتَمَسْنا قَتْلَهم، فأرحْنا منهم البلادَ وثأرْنا بهم لإخواننا!

ورأوا أن عليا ومعاوية وعَمْرًا من أسباب بلاء الأمة؛ لذا قرروا التخلص منهم، فاتفقوا على أن يذهب عبد الرحمن بن مُلْجَم المراديّ إلى الكوفة فيقتل عليا، ويذهب البرك بن عبد الله التميميّ إلى الشام فيقتل معاوية بن أبي سفيان، ويذهب عمرو بن بكر التميميّ إلى مصر فيقتل عمرو بن العاص.

فتعاهدوا وتواثقوا بالله، أن لا يجبن رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونَه، فأخذوا أسيافهم فسمُّوها، وتواعدوا على صلاة فجر يوم السابع عشر من رمضان لتنفيذ الخطة تَيَمُّنًا بيوم غزوة بدر الكبرى، حسب تصور نفوسهم المريضة وعقولهم الفاسدة، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وأقبل كل رجل منهم إلى البلد الذي فيه صاحبه الذي يطلب قتله، ولما حان موعد تنفيذ الجريمة نجح الأول وفشِل الآخران.

ففي الليلة التي اتفقوا فيها على إيقاع القتل بالرجال الثلاثة، أخذ كل واحد منهم يعد سيفَه، ويهيئ نفسه، فخرج البرك بن عبد الله وقعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الفجر شد عليه بسيفه، فوقع السيفُ في إليته ولم يُمِتْه، فأُخذ هذا الخارجي، وأُحضِر إلى معاوية، فأمر به فقُتل، واتّخذ معاوية بعدها المقصورةَ.

وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنَه، فأمر خارجةَ بن حذافة بالصلاة، وكان صاحبَ شرطتِه، فخرج ليصلي فشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو، فقال له عمرو: أردْتَني وأراد اللهُ خارجةَ، وقدّمه فقُتل.

وأما علي فراح شهيدا بضربة ابن ملجم.

مَلَّ أميرُ المؤمنين عليٌّ أهلَ العراق وسئِم إمارتَه عليهم، حتى صرّح لهم بذلك في كثير من خُطَبِه، وتمنّى من الله الموتَ إذا كان خيرًا له؛ لأن الفتن عظم أمرُها من حوله.

وفي سنة أربعين من الهجرة تحقق ما صَبَتْ إليه نفس الإمام؛ إذ اجتمع ثلاثةٌ من الخوارج وخطَّطوا لقتْله وقتل معاوية وعمرو بن العاص، وبيَّتُوا لذلك، وبينما الخليفة الإمام يقترب من باب المسجد، وقيل: بل وهو يتهيأ للصلاة، بعد أن عبر شوارع الكوفة يُوقِظ أهلَها لصلاة الفجر، ويُنادِيهم بصوته الجليل:"الصلاةَ، أيها الناس، الصلاةَ، يرحمكم الله"! اقترب منه في لجّة الظلام واحد من الخوارج اسمُه عبد الرحمن بن مُلْجَم مُنفِّذًا جريمتَه، وكان الإمامُ بلا حرس، فكان اغتياله عملا يسيرا.

ولم تكن الجريمة تتطلب أي جَلَدٍ أو قوة أو بطولة، إنما كانت تتطلب ضميرا ميتا وتفكيرا ضالا، وقلبا أعمى، وهوى مُتَّبَعًا، وإرادةً سَلِيبةً..!!

وفرغ الناس من صلاة الفجر، وجاءوا إلى أمير المؤمنين مسرعين، وأتوه بقاتلِه ابنِ مُلجم ماثلًا بين يديه، فقال لهم: إن مُتُّ فاقْتُلوه كما قتلني، وإن بقِيتُ رأيتُ فيه رأيي، ونهاهم عن المُثْلة به، ثم سألوه أن يَستخْلِف عليهم، ولكنه أبَى ذلك، ثم دعا بَنِيهِ وعلى رأسهم الحسنُ والحسينُ، وراح يملي عليهم وصيتَه.

كان الاعتداءُ على حياة الإمام قد وقع فجر يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكانت وفاته يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان، لتنتهي بذلك دولة الخلفاءِ الراشدين، ولتبدأ دولة المُلك الموروث.

وقد غسّل أميرَ المؤمنين ابناه الحسنُ والحسينُ وعبدُ الله بن جعفر، وكفنوه وصلَّوْا عليه ودُفن، لكن قبره مجهول المكان.

لما احتضر عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ جعل يُكثِر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها، وقيل: إن آخر ما تكلم به هو: ( فمَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه. ومَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ شَرًا يَرَه ) .

وقد أوصى ولديْه الحسنَ والحسينَ بتقوى اللهِ والصلاةِ والزكاةِ، وكظمِ الغيظِ وصلةِ الرحِمِ، والحِلمِ عن الجاهل، والتفقّهِ في الدين، والتثبّتِ في الأمر، والتعاهدِ للقرآن، وحُسْنِ الجوارِ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، واجتنابِ الفواحش، ووصّاهما بأخيهما لأبيهما محمدِ بنِ الحنفيةِ خيرًا.

ووصّى ابنَه محمدا بما وصّاهما به، وأنْ يعظّمهما، ولا يقطع أمرا دونهما، وكتب وصيته كلَّها في كتاب، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قُبض في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.

وبالرغم من أن عليا أبى أن يوصي بالخلافة من بعده إلى ابنه الحسن أو غيره، إلا أن أهل العراق بايعوا الحسن بالخلافة بعد موت علي ـ رضي الله عنه.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت