فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 289

في فترة حكم الراشدين كانت الخلافة في المدينة مفزع الأمراء دائما إذا اعترضتهم مشكلة أو نابتهم نائبة، فكتب سعيد بن العاص إلى أمير المؤمنين عثمانَ يخبره باعتراضات أهل الكوفة وشغبهم بعد تنفيذ الوصايا التي أمر بها.

فلما جاء الكتاب إلى المدينة أمر عثمان مناديه أن ينادي في الناس: الصلاة جامعة، ليستشيرهم في هذا الأمر الغريب، فاجتمع إليه أهل المدينة، وأخذ يعرض عليهم الأمر من كتاب سعيد إليه يصف الوضع بالكوفة، ومقالة السوء التي شاعت ضده وضد ولاته.

كل هذا والناس تعجب مما تسمع، حتى فرغ عثمان من حديثه، فقالوا له:"أصبتَ يا أمير المؤمنين، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها".

فلما سمع منهم ذلك وموافقتهم له أوصاهم قائلا:"يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن". ونزل من فوق منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهموما، ثم أوى إلى منزله، وأخذ يفكر في كيفية علاج ذلك الخلل الاجتماعي، وبالفعل حاول العلاج، وكانت لهذه المحاولة نتائجها ـ وإن كان ذلك في إطار ضيق.

حاول عثمان علاج الخلل الاجتماعي الذي جرى في الكوفة، وعمل على محاصرته ليمنع استفحاله وامتداد أثره إلى مواضع أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في إطار سياسته العامة القائمة على تقديم أهل السابقة والدين، فأراد أن يزيد عددهم في الكوفة، ويعزز أوضاعهم بها، ويوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، فاقترح لذلك أن ينتقل من شاء من الصحابة إلى العراق، وأن يتخذوا بها معايش ثابتة؛ وذلك بأن يشتروا لهم أراضي هناك؛ إما بأموالهم السائلة أو باستبدال أرض من أهل العراق بما يمتلكون في الحجاز، فسُرَّ بذلك الصحابة، وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، ووجدوا فيه فرجا لهم، وسمح لهم بالانتشار في مناطق العالم الإسلامي.

وكان ذلك نقلة كبيرة عن سياسة الفاروق عمر الذي حجزهم بجواره لحاجته إليهم، ولتخوفه من تشعب الأمر بانقسام الناس حولهم إن جاوروهم بالأمصار، وخشي من فتنتهم بهم ... ومعنى ذلك أن بواعث الفتنة التي ظهرت بالعراق خاصة الكوفة، كانت تعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية، وليس مجرد النقمة على ولاة عثمان لأنه ولى أقاربه كما يظن الكثيرون.

في فترة حكم الراشدين كانت الخلافة في المدينة مفزع الأمراء دائما إذا اعترضتهم مشكلة أو نابتهم نائبة، فكتب سعيد بن العاص إلى أمير المؤمنين عثمانَ يخبره باعتراضات أهل الكوفة وشغبهم بعد تنفيذ الوصايا التي أمر بها.

فلما جاء الكتاب إلى المدينة أمر عثمان مناديه أن ينادي في الناس: الصلاة جامعة، ليستشيرهم في هذا الأمر الغريب، فاجتمع إليه أهل المدينة، وأخذ يعرض عليهم الأمر من كتاب سعيد إليه يصف الوضع بالكوفة، ومقالة السوء التي شاعت ضده وضد ولاته.

كل هذا والناس تعجب مما تسمع، حتى فرغ عثمان من حديثه، فقالوا له:"أصبتَ يا أمير المؤمنين، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها".

فلما سمع منهم ذلك وموافقتهم له أوصاهم قائلا:"يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن". ونزل من فوق منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهموما، ثم أوى إلى منزله، وأخذ يفكر في كيفية علاج ذلك الخلل الاجتماعي، وبالفعل حاول العلاج، وكانت لهذه المحاولة نتائجها ـ وإن كان ذلك في إطار ضيق.

حاول عثمان علاج الخلل الاجتماعي الذي جرى في الكوفة، وعمل على محاصرته ليمنع استفحاله وامتداد أثره إلى مواضع أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في إطار سياسته العامة القائمة على تقديم أهل السابقة والدين، فأراد أن يزيد عددهم في الكوفة، ويعزز أوضاعهم بها، ويوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، فاقترح لذلك أن ينتقل من شاء من الصحابة إلى العراق، وأن يتخذوا بها معايش ثابتة؛ وذلك بأن يشتروا لهم أراضي هناك؛ إما بأموالهم السائلة أو باستبدال أرض من أهل العراق بما يمتلكون في الحجاز، فسُرَّ بذلك الصحابة، وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، ووجدوا فيه فرجا لهم، وسمح لهم بالانتشار في مناطق العالم الإسلامي.

وكان ذلك نقلة كبيرة عن سياسة الفاروق عمر الذي حجزهم بجواره لحاجته إليهم، ولتخوفه من تشعب الأمر بانقسام الناس حولهم إن جاوروهم بالأمصار، وخشي من فتنتهم بهم ... ومعنى ذلك أن بواعث الفتنة التي ظهرت بالعراق خاصة الكوفة، كانت تعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية، وليس مجرد النقمة على ولاة عثمان لأنه ولى أقاربه كما يظن الكثيرون.

لا ريب أن الاجتهاد السياسي لعثمان كان يتوخى تهدئة الأوضاع في الكوفة، والإقلال من خطر الخلل الاجتماعي بها، لكن نجاحه في ذلك بدا محدودا، إذ وجد الذين لا سابقة لهم والطارئون على الكوفة والأعرابُ أنه ليست لهم مكانة أدبية ولا مادية في المجتمع، وإنما ذلك لأهل السابقة والفضل، فأخذوا يعيبون التفضيل، ويجعلونه فجوة، وهم يخفون ذلك ولا يكادون يظهرونه؛ لأنه لا حجة لهم، ولو أعلنوه لثار الناس عليهم؛ فكان إذا لحق بالكوفة لاحِقٌ من أعرابيٍّ أو عبدٍ محرَّرٍ، أعجبه كلامهم، وانضم إليهم، حتى قويت شوكتهم، وظلوا على احتجاجهم على عثمان وولاته، يثيرون من حولهم الإشاعات، وكانوا في زيادة يوما بعد يوم، والناس في نقصان حتى غلب الشر، وحدث التمرد بالكوفة.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت