فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 289

ننتقل الآن إلى موقف آخر هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأرسى دعائم المجتمع الإسلامي، وكان بعض الصحابة يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فيأذن لهم، ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: والظاهر أن العمرة كانت مباحة للصحابة حتى لو لم يعتمر معهم الرسول دون الحج فإنهم منعوا من الحج، هكذا يقول ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ، ففي مرة من المرات استأذن سعد بن معاذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب للعمرة في مكة ، وهي لا زالت خاضعة للمشركين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وساق بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنه حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: أنه كان صديقًا لأمية بن خلف ، أمية بن خلف كان مشركًا في الجاهلية كان سعد بن معاذ سيدًا في المدينة في يثرب كان صديقًا لسيد من سادات مكة وهو أمية بن خلف ، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، وكان هذا في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريباَ من نصف النهار، ونصف النهار هو أهدأ الأوقات التي يقيل فيها الناس، فلقيهما أبو جهل لعنه الله، فقال: يا أبا صفوان ! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد ، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، أبو جهل لعنه الله يقول لسعد بن معاذ. الآن سعد بن معاذ وحيد في مكة ، والرجل المسلم المتميز بعقيدته في وسط قوم مشركين لا بد أن يخاف على نفسه، خصوصًا أمام هذا الوعيد الذي يأتي من عظيم قريش أبو جهل ، لو كان الواحد منا يا ترى في ذلك الموقف ماذا كان سيرد على أبي جهل ؟ أو هل كان سيرد عليه أصلًا، أو يبادر بسلوك سبيل الهزيمة، ويعتبرها غنيمة؟ فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لو منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك طريقك إلى الشام، وسأغير على قوافلك وأنت ذاهب إلى التجارة، فقال له أمية وقد أشفق: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، قال سعد: دعنا عنك يا أمية ! فوالله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه قاتلك) . أيها الإخوة: إن قوة الشخصية والجرأة من العوامل التي توفرت في شخصيات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي نفتقدها اليوم في شخصيات المسلمين، كثير من المسلمين اليوم يفتقدون الجرأة في عرض الدعوة، بل إنهم يشعرون بالذل والخزي وهم يواجهون بأدنى كلمات الهجوم من الأعداء، وقد ينكصون على أعقابهم فلا يصمدون أمام الهجوم الجاهل، أما سعد بن معاذ فقد كان جريئًا لا تأخذه في الله لومة لائم، عندما يدخل الإسلام في النفس فإنه يغيرها فتتغير الموازين، كان أبو جهل عند سعد بن معاذ قبل أن يسلم رجل له شأن عظيم محترم، أما وقد دخل سعد في الإسلام فقد أصبح هذا الكافر الحقير لا يسوى شيئًا. لذلك قام سعد في وجهه فهدده وتوعده بأشد مما تكلم به أبو جهل ، ولذلك سعد رضي الله عنه لم يرض أن يسب إخوانه المسلمين أمامه ويقول أبو جهل عنهم: إنهم صباة خرجوا عن الدين، بل رد على أبي جهل مقولته ودافع عن إخوانه، كثير من المسلمين اليوم لا يدافعون عن إخوانهم إذا اغتيبوا في مجلس، فكيف سيدافعون عنهم لو وجهت إليهم سهام النقد والتجريح من أعداء الإسلام الأقوياء؟ إن قوة الشخصية لها دور كبير في إقناع الناس بالإسلام.. قوة الشخصية تنشأ من الإيمان الذي يقذفه الله في النفوس، لا تنشأ من الفراغ.. لا تنشأ من لا شيء، إنها تنشأ من الإيمان الذي يغير الشخصيات، ولذلك يكون التغير الحاصل في شخصية كل إنسان هداه الله بحسب مقدار الإيمان الذي دخل في نفسه، فمن الناس من تجده قويًا في عرض دعوته، جريئًا مقدامًا، ومن الناس من تجده يعرض الدعوة بشكل هزيل كأنه يربط على أكتاف الناس، ويقول لهم: أرجوكم وأتوسل إليكم أن تقبلوا بهذا الذي أقول، لم يكن الصحابة يدعون الناس هكذا، ولسنا نقصد بهذا الكلام أن يقوم الإنسان يسب ويشتم ويرغي ويزبد على الناس ويرفع صوته مهددًا ومتوعدًا، كلا! ليست هذه هي الجرأة في الدعوة إلى الله، لا بد أن توافق الجرأة حكمة، أما أن يقوم الإنسان يلعلع في صوته، ويسب، ويلعن، فليست هذه بدعوة إلى الله، بل إن هذه من أكبر وسائل التنفير والصد عن سبيل الله، فأربأ بنفسي وبإخواني عن اتخاذ سبيل الشدة والعنف مع الناس؛ فإنها منفرة وسلبية جدًا، وهناك فرق بينها وبين الجرأة في عرض الدعوة والقوة والوضوح في تكليم الناس عن مبادئ الإسلام، وهذا الفرق لا يعيه إلا رجل آمن بالله وصدق المرسلين وانتهج سبيل المؤمنين، ثم إن سعد بن معاذ ما اكتفى بهذا، بل جلس يخذل في أمية بن خلف ، ويقول له خبرًا سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: يا أمية ! فوالله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنه قاتلك) فقال أمية: بمكة ؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان ! ألم تري ما قال لي سعد ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنه قاتلي، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة أبدًا، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس وأخرج أمية بالقوة بعد أن أحرجه، فخرج أمية وهو يقول: أخرج معهم مسافة وأرجع، فمازال أبو جهل يوصل أمية من منزل إلى منزل حتى أهلك الله أمية في معركة بدر، فقتلته أسياف المسلمين مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

موقف سعد بن معاذ المشرِّف يوم بدر

لما كان يوم بدر وقف سعد بن معاذ رضي الله عنه موقفًا مشرفًا في لحظة من لحظات الحرج، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العهد والميثاق من الأنصار أن ينصروه في المدينة، ولم يأخذ منهم العهد والميثاق أن ينصروه عندما يخرج من المدينة، فلما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النفر الذين معه لاعتراض قافلة، تحولت الأمور فتغيرت من اعتراض قافلة إلى معركة مع جيش قدره ألف رجل من المشركين، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف ما في نفوس الناس الذين معه، كان يريد أن يتأكد من الأنصار هل سيقفون معه خارج المدينة ، أم أنهم واقفون معه وناصروه داخل المدينة فقط؟ فوردت روايات عن ابن مردويه من طريق محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي، ومرسلٌ آخر عند ابن عائد، ومرسلٌ آخر عند ابن أبي شيبة يقوي هذه الأسانيد بعضها بعضًا، وقد صحح الشيخ/ ناصر هذا الموقف، فقال الراوي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس، فقال: (كيف ترون؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! بلغنا أنهم بكذا .. وكذا .. قال: ثم خطب الناس، فقال: كيف ترون؟ فقال: عمر مثل قول أبي بكر ، ثم خطب الناس، فقال: كيف ترون؟ -الرسول يريد الأنصار أن يتكلموا، الرسول يعرف أن المهاجرين عندهم استعداد للقتال- فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك، وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولعلك أن تكون خرجت لأمرٍ وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت) فنزل القرآن على قول سعد كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال:5] . وذكر الأموي هذه الرواية وزاد فيها:"ما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت"تصور! الذي تأخذ منا أحب إلينا من الذي تتركه لنا، وما أمرت به من أمرٍ فأمرنا تبعٌ لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، موقف جريء في لحظة حرجة، سعد بن معاذ يقرر الموقف الآن ويقول للأنصار الذين معه: إن هذا الموقف يجب أن يكون موقفهم جميعًا، فيقول عن نفسه ونيابةً عن قومه: إننا خارجون معك يا رسول الله. كان لهذا الموقف أثر عظيم من آثار الصمود والانتصار لدين الله تعالى؛ مما نتج عنه انتصار المسلمين في غزوة بدر التي سماها الله تعالى يوم الفرقان، فرق الله بها بين الحق والباطل

موقف سعد بن معاذ مع بني قريظة حلفائه

نأتي إلى موقف النهاية في حياة سعد بن معاذ.. موقفه مع بني قريظة وإصابته التي أدت إلى وفاته

إصابة سعد بن معاذ في الخندق

أخرج الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عن محمد بن عمر، عن أبيه، عن علقمة بن وقاص -وهذا الإسناد قال عنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: إن سنده جيد، وكذلك قال ابن كثير رحمه الله تعالى- قال: قالت عائشة: [خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي -أي: حس الأرض- فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه يتقى بها من الضربات -الترس- فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه، وكان من أعظم الناس وأطولهم، فقالت عائشة: فأنا أتخوف على أطراف سعد] فأنا خفت على أطراف سعد التي برزت من هذا الدرع الذي يلبسه، خفت عليها أن يصيبها سوء، فمرَّ فحصل ما كانت تخشى منه عائشة رضي الله عنها، ما الذي حدث؟ قالت: [ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة -لأن أمه كانت تسمى العرقة- فقال المشرك: خذها وأنا ابن العرقة، فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار] . القوة في الرد على المشركين، فأصاب هذا السهم العرق الذي في وسط الذراع يسمى الأكحل، فدعا الله عز وجل سعد بن معاذ، فقال: [اللهم لا تمتني حتى تُقر عيني من قريظة، أو حتى تَقر عيني من قريظة] . بنو قريظة خانوا العهد، وضربوا المسلمين من الخلف، الأحزاب من المشركين من أمام الخندق ، وبنو قريظة خانوا العهد من الخلف، ويريدون أن يطبقوا على المسلمين، فوقع المسلمون بين نارين خانت بنو قريظة العهد الذي كتبوه من الرسول صلى الله عليه وسلم خيانة عظمى استحقوا بها ما سيأتي. كان سعد بن معاذ حليفًا لهم في الجاهلية، فقال سعد لما أصيب: [اللهم لا تمتني حتى تُقر عيني من قريظة] قالت عائشة: [وكانوا حلفاء مواليه في الجاهلية] . وقفة بسيطة عند هذا الدعاء! كان الصدر الأول من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعوا الله تعالى تحس أن لدعائهم معنىً عظيمًا، لا يدعون الله بأمور تافهة وأشياء بسيطة، ولكن يدعون الله بما يجيش في نفوسهم من علو الهمة، وما يفكرون فيه وما يهتمون به حقيقة. الناس الواحد منا اليوم إذا اهتم بالمال قال: يا رب! لا تخسرني في الفلوس، يا رب! ربحني، يارب! أعطني كذا .. وكذا .. من الأموال، لماذا؟ لأنه يهتم بهذا الأمر وأصبح هذا هو شغله الشاغل، وترى الطالب في المدرسة هكذا، وترى الرجل، وترى الناس الذين يدعون الله، نحن لا نتكلم الآن عن الذين لا يدعون الله، هؤلاء أمرهم منتهٍ، نحن نتكلم اليوم عن المسلمين وهم يدعون الله.. الذين يدعون بماذا يدعون؟ هل نحن اليوم ندعو الله من قلوبنا إذا خلا الإنسان بنفسه في السجود؟ بعض الإخوان اليوم يدعو في التشهد أو يدعو مثلًا بعد الصلاة، ماذا يقول الواحد منا في دعائه؟ الغالب من الناس يدعو لنفسه.. يدعو أن يرزقه الله مالًا.. يدعو لأبنائه وزوجته، يدعو هذا شيء طيب وحسن، ونحن لا نقول: إن هذا الشيء حرام، لا، بل هو قربة وطاعة، ولكن أن يخلو دعاؤنا من أمر المسلمين هذه هي المآخذ التي نأخذها على أنفسنا، هل اليوم نحن ندعو إذا دعا الواحد منا ربه أن يرزقه مالًا أو صحة أو الولد هل يدعو الله أن ينصر عقيدة التوحيد، أو أن يرفع البلاء عن المسلمين المضطهدين في أنحاء العالم، أو ينصر المجاهدين في سبيل الله، أو أن يجمع كلمة المسلمين على السنة الصحيحة وعلى العقيدة الصحيحة؟ هل نحن اليوم ندعو الله عز وجل بالأمور العظيمة التي يجب أن تكون هي شغلنا الشاغل، أم أننا نقتصر في الدعاء على طلب المال وطلب العافية والصحة؟ الحقيقة أيها الإخوة أن الإنسان إذا كان منشغلًا بقضية يتابعها ويصرف لها جهده ووقته فإنها ستظهر حتى في دعائه، أما إذا كان منشغلًا بأشياء أبسط من هذا بكثير فإنها ستظهر في دعائه أيضًا، فهل نحن نسأل الله عز وجل أن يحقق الأمور العظيمة التي هي اليوم البلوى التي وقعت في المسلمين، هذه نقطة ينبغي الانتباه إليها. ثم بعد ذلك بعث الله عز وجل ريحًا على المشركين وكان الجرح الذي حصل في يد سعد بن معاذ اقترب من الشفاء واندمل إلا شيئًا يسيرًا وبعث الله الريح على المشركين، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ولحق عيينة ومن معه بنجد ، ورجع بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع السلاح وأَمر بقبة من أدمٍ فضربت على سعد في المسجد. الآن سعد جريح تنزف منه الدماء، والرسول صلى الله عليه وسلم يعتني بإخوانه المسلمين عناية كبيرة، وأمر المسلمين فضربوا خيمة في ساحة المسجد لسعد بن معاذ ، يوضع فيها حتى يداوى من جراحه التي حصلت له. وبعد ذلك جاء جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لنقع الغبا،رفقال: أوقد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاصر بني قريظة حصارًا شديدًا حتى طلبوا الصلح، قالوا: نستسلم لكن نريد أن تُحكم فينا واحدًا منا.. من هو الشخص الذي رشحوه للحكم؟ إنه سعد بن معاذ؛ لأنهم كانوا حلفاء له في الجاهلية، فظنوا أن سعد بن معاذ سيرأف بهم، ويحكم فيهم حكمًا معتدلًا، لأنه كان حليفًا لهم في الجاهلية وصديقًا لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتي به على حمار وقد حمل عليه، وحث به قومه، فقالوا لسعد بن معاذ: يا أبا عمرو ! حلفاؤك، ومواليك، وأهل النكاية، وهم من قد علمت، أي: ارأف بهم، هؤلاء كانوا معنا أصلًا وأموالنا وأموالهم سواء، فلم يلتفت إليهم - سعد - ولا كلمهم أبدًا، حتى إذا دنا من بئرهم التفت إلى قومه الذين قد أحاطوا به، فقال لهم: قد آن لي ألا تأخذني في الله لومة لائم؛ فلما قال هذه الكلمة، بعض الرجال الذين معه رجعوا إلى قومهم من بني عبد الأشهل فنعوا رجال بني قريظة قبل أن يحكم سعد عرفوا من هذا الكلمة: [لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم] فرجعوا وهم يزفون خبر إعدام رجال بني قريظة إلى قومهم من بني عبد الأشهل قبل أن يتكلم سعد بشيء.

قدوم سعد بن معاذ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم - طلع عليه سعد بن معاذ محمولًا- قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) وهنا -أيها الإخوة- نقف وقفة فقهية، اشتهر هذا الحديث بلفظ ( قوموا إلى سيدكم ) وهذه الزيادة جاءت في طرق قليلة، زيادة (فأنزلوه) ومن هذه الطرق طريق أحمد الذي نحن بصدده الآن والذي سنده جيد. قال ابن كثير في البداية والنهاية: أمر عليه الصلاة والسلام من هناك من المسلمين بالقيام له، قيل: سبب القيام لينزل من شدة مرضه، لأنه لا يستطيع أن ينزل لوحده، فلا بد أن يقوم له أناس وينزلوه، وقيل: توقيرًا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه. السبب الثاني للقيام: أنه ربما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم هؤلاء الناس حتى يُظهر مكانة سعد، فعندما يحكم سعد يكون حكمه نافذًا، فقال: أنزلوه فأنزلوه، قال الشيخ/ ناصر في تعليقه على هذا الحديث في السلسلة الصحيحة في المجلد الأول: اُشتهر رواية هذا الحديث بلفظ: ( لسيدكم ) أي: قوموا لسيدكم، والرواية في هذا الحديث كما رأيت ( إلى سيدكم ) ليس (قوموا لسيدكم) وهناك فرق بين (قوموا لسيدكم) و (قوموا إلى سيدكم) . ولا أعلم للفظ الأول أصلًا (قوموا لسيدكم) وقد نتج منه خطأ فقهي وهو الاستدلال به على استحباب القيام للقادم كما فعل ابن بطال وغيره، واشتهر الاستدلال بالحديث عمومًا (قوموا لسيدكم) على مشروعية القيام للداخل، فإذا تأملت السياق تبين لك أنه استدلال ساقط لوجوه أقواها قوله: ( فأنزلوه ) الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم: قوموا لمجرد القيام، قال لهم: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) نصٌّ قاطع على أن الأمر بالقيام لأجل إنزاله لكونه مريضًا، قال الحافظ: وهذه الزيادة ( فأنزلوه ) تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المنازع فيه، وقد احتج به النووي كما في كتاب القيام، وكل من الفقهاء يصيب ويخطئ، ونحن ندور مع الدليل حيثما دار. إذًا: القيام ينقسم إلى ثلاثة أنواع: 1- قيام إليه، قيام الرجل إلى الرجل. 2- وقيام له. 3- وقيام عليه. فأما القيام له: قيام الرجل للرجل إذا دخل واحد المجلس قام الناس يسلمون عليه ويرحبون به، هذا القيام للداخل، ممنوع شرعًا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار) حديث صحيح. وما كان قوم يحبون صاحبهم كحب أصحاب محمد محمدًا، ولكنهم كما ثبت عنهم في الحديث الصحيح أنهم كانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك، هل هناك أعظم من الرسول؟ هل هناك أعلم من الرسول؟ لا. مع ذلك كان الصحابة لا يقومون للرسول إذا دخل عليهم، فلذلك الآن لا ينبغي القيام للداخل إذا جاء يسلم بل يسلم الناس عليه قعودًا لهذه الأحاديث التي عرفتموها الآن، ومن احتج بحديث سعد (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) فالرد عليه من وجهين أو أكثر. الأول: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( قوموا إلى سيدكم ) ولم يقل قوموا لسيدكم. الوجه الثاني: أنه قال: ( فأنزلوه ) ولم يقصد القيام مطلقًا. فإن سألتني: ما هو الفرق بين (قوموا له) (وقوموا إليه) ؟ فالجواب: أن القيام للشخص إذا دخل عليك وقمت له كما يفعل كثير من الناس اليوم، فهذا هو الممنوع، أما القيام إلى الرجل فهو أن تقوم للشخص الداخل لتفتح له الباب مثلًا، أو تأخذ له طريقًا في البيت حتى يدخل مثلًا، أو أن يكون الرجل قادمًا من سفر فتقوم إليه لتعانقه، لأنه لا يمكن أن تعانقه وهو قائم وأنت جالس، لا بد أن تقوم إليه لتعانقه وهو قادم من السفر، فهذا يسمى: القيام إلى الرجل، وكذلك قيام المرأة إلى المرأة، أما الأول الذي يحصل في المجالس اليوم فيسمى القيام للداخل وليس إلى الداخل. إذًا: إذا قمت إلى الداخل فقيامك صحيح مشروع بأدلة، منها: فعل طلحة بن عبيد الله في حديث توبة كعب بن مالك في البخاري ومسلم أن الراوي قال: [فقام إليه طلحة] طلحة لما دخل كعب المسجد، قام طلحة ليمشي إلى كعب ليهنئه بالتوبة، فقام إليه ولم يقم له. وأما القيام عليه وهو النوع الثالث فهو محرم أيضًا، وهو قيام العبد على رأس سيده، أو الموظف على رأس رئيسه، يقوم عليه مثل الصنم أو التمثال؛ لأن هذا فيه زيادة تعظيم غير مشروعة، ولا ينبغي القيام إلا لله عز وجل: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] ، ولا أقصد وقوف العارض، كأن يأتي يعطي معاملة لرجل فيقف عنده حتى ينتهي، لا، إنما أقصد قيام التعظيم، رجل يقف هكذا مثل الصنم، فهذا لا يجوز، إلا كما ورد في استثناء قيام الناس أو المسلمين على رأس خليفتهم أمام الكفرة؛ حتى يظهروا للكفار عظمة خليفة المسلمين كما فعل الصحابة وهم واقفون على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية أمام الرجل الكافر. هناك فتوى لشيخ الإسلام رحمه الله لما سئل عن القيام للداخل؟ فقال: أن الأصل عدم القيام، ولكن لو أن الرجل من الناس خاف، إذا دخل رجل ولم تقم أن يكون عدم قيامك سببًا في إيقاع العداوة والبغضاء بينك وبينه، يقول شيخ الإسلام: فإذا خشيت وقوع العداوة والبغضاء بينك وبين هذا الرجل فإنك تقوم اضطرارًا وليس اختيارًا، من باب الضرورة، مثل: أكل الميتة في الصحراء، ومن باب ارتكاب أدنى المفسدتين، قيامك له مفسدة لا يجوز، وعدم القيام إذا كان سيأخذ عليك في نفسه وتقع العداوة والبغضاء بينك وبينه مفسدة أكبر فيها تفرقة بين المسلمين فعند ذلك تقوم له، ولكنك تعلمه السنة بأنه لا ينبغي القيام. مراعاة أحوال الناس مهمة، تطبيق الأحكام الشرعية يجب أن يكون من حال الناس وواقعهم، ولا يصح أن يكون تطبيق الأحكام بعيدًا عن أحوال الناس، ولذلك كان من القواعد الأصولية المهمة أن الفتوى تتغير باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة والعوائد والنيات.

حكم سعد بن معاذ على بني قريظة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت