التفسير بأن قالوا للملك أنها أجزاء من أحلام مختلطة ببعضها البعض، ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها ووصل الخبر إلى الساقي الذي نجا من السجن وتداعت أفكاره وذكر رؤية الملك برؤيته التي رآه في السجن، وأسرع إلى الملك وحدثه عن يوسف. قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي يستطيع تفسير رؤياك. وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف وجاء الوقت واحتاج الملك إلى رأي يوسف .. [وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {يوسف:21} . سُئِلَ يوسف عن تفسير رؤيا الملك .. فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره. لم يساوم ولم يتردد ولم يقل شيئًا غير تفسير الرؤيا ... ولم يقم يوسف عليه السلام بالتفسير المباشر المجرد للرؤيا. وإنما قدم مع التفسير النصح وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر. أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات. وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع. لأن وراءها سبع سنوات مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون، بهذا انتهت رؤيا الملك .. عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف، دهش الملك دهشة شديدة من هذا السجين .. ؟ إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه .. دون أن ينتظر أجرًا أو جزاءً. أو يشترط خروجًا أو مكافأة. فأصدر الملك أمره بإخراج يوسف من السجن وإحضاره فورًا إليه. ذهب رسول الملك إلى السجن. ولا نعرف إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة. أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه الشؤون. ذهب إليه في سجنه. رجا منه أن يخرج للقاء الملك .. فهو يطلبه على عجل. رفض يوسف أن يخرج من السجن إلا إذا ثبتت براءته. سأل الملك النساء عما فعلنه مع يوسف ... فاعترف النساء بالحقيقة التي يصعب إنكارها [قُلْنَ حَاشَ لله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ] {يوسف:51} وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به .. تتقدم لتقول كل شيء بصراحة [أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ] {يوسف:51} شهادة كاملة بإثمها هي، وبراءته وصدقه ومحاولة يائسة لتصحيح صورتها في ذهنه. لا تريده أن يستمر على تعاليه واحتقاره لها كخاطئة. تريد أن تصحح فكرته عنها: [ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ] {يوسف:52} . لست بهذا السوء الذي يتصوره فيَّ. ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها [وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ] {يوسف:52} ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإحضاره.
المشهد الثالث عشر:
بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك. عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره. وعندما جلس معه وكلمه، تحقق له صدق ما توسمه فيه. فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده ... قال يوسف: [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] {يوسف:55} . لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك. كان يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات .. وهكذا مكَّن الله ليوسف في الأرض .. صار مسؤولًا عن خزائن مصر واقتصادها .. وصار كبير الوزراء ..
المشهد الرابع عشر:
جاء إخوة يوسف من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر فقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها. فاتجه إخوة يوسف إلى مصر. وقد