الصفحة 10 من 13

تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان. فدخلوا على عزيز مصر، وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز [فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ] {يوسف:58} . ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلًا طيبًا، ثم أخذ في إعداد الدرس الأول [وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ] {يوسف:59} .. فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا .. وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين. فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود: [أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ المُنْزِلِينَ] {يوسف:59} ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر وبخاصة بعد ذهاب يوسف فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسورًا، وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم، وأنهم سيحاولون إقناعه، مع توكيد عزمهم على الرغم من هذه العقبات على إحضاره معهم حين يعودون: [قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ] {يوسف:61} .

المشهد الخامس عشر:

ندع يوسف في مصر ولنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان. رجع الأخوة إلى أبيهم .. وقبل أن ينزلوا أحمال الجمال ويفكوا متاعهم، دخلوا على أبيهم. قائلين له بعتاب: إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة فلن يعطينا عزيز مصر الطعام. وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عليه السلام [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {يوسف:63} ويبدوا أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف! فإذا هو يجهز بما أثاره الوعد من شجونه [قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] {يوسف:64} واستمر حوارهم مع الأب .. أفهموه أن حبه لابنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم، ويؤثران على اقتصادهم، وهم يريدون أن يتزودوا أكثر، وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه .. وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم .. بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأحيط بهم .. نصحهم الأب ألا يدخلوا وهم أحد عشر رجلا من باب واحد من أبواب مصر .. كي لا يستلفتوا انتباه أحد .. وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة أو الحسد ..

المشهد السادس عشر:

عاد إخوة يوسف الأحد عشر هذه المرة [وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {يوسف:69} ولا ريب أن هذا لم يحدث فور دخول الإخوة على يوسف، وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف، إنما وقع هذا في خفاء وتلطف، فلم يشعر إخوته ... ها هو ذا يوسف يدبر شيئًا لإخوته .. يريد أن يحتفظ بأخيه الصغير معه. يعلم أن احتفاظه بأخيه سيثير أحزان أبيه، وربما حركت الأحزان الجديدة أحزانه القديمة، وربما ذكره هذا الحادث بفقد يوسف .. يعلم يوسف هذا كله .. وها هو ذا يرى أخاه .. وليس هناك دافع قاهر لاحتفاظه به، لماذا يفعل ما فعل ويحتفظ بأخيه هكذا!؟ إن يوسف يتصرف بوحي من الله .. يريد الله تعالى أن يصل بابتلائه ليعقوب إلى الذروة .. حتى إذا جاوز به منطقة الألم البشري المحتمل وغير المحتمل، ورآه صابرًا رد عليه ابنيه معًا، ورد إليه بصره ... أمر يوسف عليه السلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت