رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع أخيه خِلسة .. وكانت الكأس تستخدم كمكيال للغلال .. وكانت لها قيمتها كمعيار في الوزن إلى جوار قيمتها كذهب خالص. أخفى الكأس في متاع أخيه .. وتهيأ إخوة يوسف للرحيل، ومعهم أخوهم .. ثم أغلقت أبواب العاصمة .. [ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا العِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] {يوسف:70} كانت صرخة الجند تعني وقوف القوافل جميعًا .. وانطلق الاتهام فوق رؤوس الجميع كقضاء خفي غامض .. أقبل الناس، وأقبل معهم إخوة يوسف .. [مَاذَا تَفْقِدُونَ] {يوسف:71} ؟ هكذا تسائل إخوة يوسف .. قال الجنود [نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ] {يوسف:72} .. ضاعت كأسه الذهبية .. ولمن يجيء بها مكافأة .. سنعطيه حمل بعير من الغلال. قال إخوة يوسف ببراءة: لم نأت لنفسد في الأرض ونسرق! قال الحراس: وأي جزاء تحبون توقيعه على السارق؟ قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدًا لمن سرق قال الحارس: سنطبق عليكم قانونكم الخاص .. لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق. كانت هذه الإجابة كيدًا وتدبيرًا من الله تعالى، ألهم يوسف أن يحدِّث بها حراسه .. ولولا هذا التدبير الإلهي لامتنع على يوسف أن يأخذ أخاه .. فقد كان دين الملك أو قانونه لا يقضي باسترقاق من سرق. وبدأ التفتيش وكان هذا الحوار على منظر ومسمع من يوسف، فأمر جنوده بالبدء بتفتيش رحال أخوته أولًا قبل تفتيش رحل أخيه الصغير. كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش. اطمأن إخوة يوسف إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء، فلم يبق إلا أخوهم الصغير. وتم استخراج الكأس من رحله. فأمر يوسف بأخذ أخيه عبدًا، قانونهم الذي طبقه القضاء على الحادث.
أعقب ذلك مشهد عنيف المشاعر .. إن إحساس الإخوة براحة الإنقاذ والنجاة من التهمة، جعلهم يستديرون باللوم على شقيق يوسف [قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ] {يوسف:77} إنهم يتنصلون من تهمة السرقة .. ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب .. سمع يوسف بأذنيه اتهامهم له، وأحس بحزن عميق .. كتم يوسف أحزانه في نفسه ولم يظهر مشاعره .. قال بينه وبين نفسه [أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ] {يوسف:77} . سقط الصمت بعد تعليق الإخوة الأخير .. ثم انمحى إحساسهم بالنجاة، وتذكروا يعقوب .. لقد أخذ عليهم عهدًا غليظًا، ألا يفرطوا في ابنه. وبدءوا استرحام يوسف: أيها العزيز .. أيها الملك .. [إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ] {يوسف:78} قال يوسف بهدوء: كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده .. ونأخذ بدلًا منه إنسانًا آخر .. ؟ هذا ظلم .. ونحن لا نظلم ... كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف. وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء، فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج أمام أبيهم حين يرجعون.
المشهد السابع عشر:
عقدوا أخوة يوسف مجلسًا يتشاورون فيه وذكر القرآن قول كبيرهم إذ ذكَّرهم بالموثق المأخوذ عليهم، كما ذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل. ثم يبين قراره الجازم: ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن أبوه، أو يقضي الله له بحكم، فيخض له وينصاع. وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه بأن ابنه سرق، فَاُخِذَ