الصفحة 12 من 13

بما سرق. وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها -أي أهل مصر- وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا وحدهم، فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتأخذ الطعام وفعل الأبناء ما أمرهم به أخوهم الكبير، وحكوا ليعقوب عليه السلام ما حدث. واستمع يعقوب إليهم وقال بحزن صابر، وعين دامعة [قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ] {يوسف: 83 - 84} لاحظ أبناؤه أنه يبكي على يوسف، وهاجموه في مشاعره الإنسانية كأب .. حذروه بأنه سيهلك نفسه [قَالُوا تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] {يوسف:86} ردهم جواب يعقوب إلى حقيقة بكائه .. إنه يشكو همه إلى الله .. ويعلم من الله ما لا يعلمون .. وقال [يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ] {يوسف:87} إنه يكشف لهم في عمق أحزانه عن أمله في روح الله .. إنه يشعر بأن يوسف لم يمت كما أنبؤوه .. لم يزل حيًا، فليذهب الإخوة بحثًا عنه .. وليكن دليلهم في البحث، هذا الأمل العميق في الله سبحانه وتعالى.

المشهد الثامن عشر:

تحركت القافلة في طريقها إلى مصر .. إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز .. تدهور حالهم الاقتصادي وحالهم النفسي .. إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم، قد هدت قواهم تمامًا .. ها هم أولاء يدخلون على يوسف .. معهم بضاعة رديئة .. جاءوا بثمن لا يتيح لهم شراء شيء ذي بال .. وعندما دخلوا على يوسف عليه السلام رجوه أن يتصدق عليهم [فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ] {يوسف:88} انتهى الأمر بهم إلى التسول .. إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم .. ويستميلون قلبه، بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين ... [قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَالله لَقَدْ آَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ] . {يوسف} وقال يوسف لهم: [لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] {يوسف:92} .. دعا الله أن يغفر لهم .. وهو نبي ودعوته مستجابة .. ها هو ذا يوسف ينهي حواره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه .. يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه .. يعلم أنه لم يعد يبصر .. خلع يوسف قميصه وأعطاه لهم [اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ] {يوسف:93} . وعادت القافلة من مصر إلى فلسطين.

المشهد التاسع عشر:

خرجت القافلة من مصر، حتى قال يعقوب عليه السلام لمن حوله في فلسطين: إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول. فرد عليه من حوله. لكن المفاجأة البعيدة تقع. ووصلت القافلة، وألقى البشير قميص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت