رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ] {يوسف:51} أمام هذه الدعوات سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات استنجد يوسف بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه. دعى يوسف دعاء العبد العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيدًا من عناية الله وحياطته، ويعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء. [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ] {يوسف:33} واستجاب له ربه وصرف عنه كيد النسوة [1] .
المشهد العاشر:
دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفرح لأنه نجا من إلحاح زوجة العزيز ورفيقاتها، كان السجن بالنسبة إليه مكانًا هادئًا يخلو فيه ولكن الواضح أن يوسف عليه السلام انتهز فرصة وجوده في السجن، ليقوم بالدعوة إلى الله عز وجل مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك وانتهز يوسف عليه السلام هذه الفرصة ليحدث الناس عن رحمة الخالق وعظمته، وكان يقيم عليهم الحجة بتساؤلاته الهادئة وحواره الذكي وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته.
المشهد الحادي عشر:
قَدِمَ على يوسف عليه السلام وهو في السجن .. سجينان يسألانه تفسير رؤياهما، بعد أن توسما في وجهه الخير. إن أول ما قام به يوسف عليه السلام هو طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علمًا خاصًا، جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء .. وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما. ثم بدأ بدعوتهما إلى التوحيد، وتبيان ما هما عليه من الظلال وقام بكل هذا برفق ولطف ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة. بعد ذلك فسَّر لهما الرؤى وبيَّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو، وسيعمل في قصر الملك ولكنه لم يحدد من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفًا وتحرجًا من المواجهة بالشر والسوء وأوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عند الملك ولكن الرجل لم ينفذ الوصية ... فلبث في السجن بضع سنين.
المشهد الثاني عشر:
في قصر الحكم .. وفي مجلس الملك ... يحكي الملك لحاشيته رؤياه طالبًا منهم تفسيرًا له [وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ] {يوسف:43} لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير وربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك، وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية التي تعودت على قول كل ما يسر الملك فقط وعللوا عدم
(1) قال فضيلة الشيخ عايد بن حافظ الخيبري حفظه الله تعالى: (العبد مأمور بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور مع الاستعانة بالملك الرحمن الغفور) .