الصفحة 5 من 13

المشهد الرابع:

خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء واختاروا بئرًا لا ينقطع عنها مرور القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر .. وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف .. وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبؤهم بما فعلوه.

المشهد الخامس:

عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة. أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف وكان التقاطهم لحكاية الذئب دليلًا على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها. فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذَّرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف .. جاءوا بالقميص كما هو سليمًا، ولكن ملطخًا بالدم .. وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا: [وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ] {يوسف:17} أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله وهذا دليل على أنهم يضمرون في أنفسهم شيئًا عظيمًا وقد أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواضحة، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، فواجههم أنه سيصبر متحملًا ومتجملًا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينًا بالله على ما يلفِّقونه من حيل وأكاذيب وهو يعلم ذلك ولم يتكلم بشيء يجرح مشاعرهم ولم يعاقبهم ولكن قال: [بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ] {يوسف:18} .

المشهد السادس:

أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة في طريقها إلى مصر .. قافلة كبيرة .. سارت طويلًا حتى سميت سيَّارة .. توقفوا للتزود بالماء .. وأرسلوا أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه .. تعلَّق يوسف به .. ظن من دلاَّه أنه امتلأ بالماء فسحبه .. ففرح بما رأى .. رأى غلامًا متعلقًا بالدلو .. فسرى على يوسف حكم الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد .. يصير عبدًا لمن التقطه .. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد. فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته، وزهد فيه لأنه وجده صبيًا صغيرًا .. وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر .. ولم يكد يصل إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد، دراهم معدودة. ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية. ثم يكشف الله تعالى عن مضمون القصة [وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {يوسف:21} .

المشهد السابع:

وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه .. وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وليس هذا السيد رجلًا هين الشأن [1] .. فإنما

(1) قال فضيلة الشيخ عايد بن حافظ الخيبري حفظه الله تعالى: (روي عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: [أَكْرِمِي مَثْوَاهُ] {يوسف:21} . الثاني: بنت شعيب في فراسة موسى حين قالت: [إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ] {القصص:26} الثالث: أبو بكر الصديق حين ولَّى عمر قال: ولَّيت عليهم خيرهم) . رواه ابن جرير بسند حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت