المشهد الأول:
ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه، وحكى له عن رؤيا رآها وأخبره بأنه رأى في المنام أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدين له واستمع الأب إلى رؤيا ابنه وحذَّره أن يحكيها لأخوته. فلقد أدرك يعقوب عليه السلام بحسه وبصيرته أن ابنه انشغل بهذه الرؤيا وأن وراءها مستقبلًا مشرقًا وشأنًا عظيمًا خشية أن يكيدوا له ويحسدوه لأن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين.
المشهد الثاني:
اجتمع أخوة يوسف ليتحدثوا في أمره [إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] {يوسف:8} أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل هذين الصبيين على مجموعة من الرجال النافعين! فاقترح أحدهم حلًا للموضوع: [اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا] {يوسف:9} . إنه تدخل الشيطان الذي ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم حتى جعله يوازي القتل. أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله. وطرحه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل، لأنه سيموت هناك لا محالة. ولماذا هذا كله؟! حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم [وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ] {يوسف:9} فقال قائل منه: ما الداعي لقتله؟ إن كنتم تريدون الخلاص منه، فلنلقه في بئر تمر عليها القوافل .. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدًا .. سيختفي عن وجه أبيه .. ويتحقق غرضنا من إبعاده [1] .
المشهد الثالث:
توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف بمرافقتهم. دار الحوار بينهم وبين أبيهم بعتاب خفي، وإثارة للمشاعر .. [مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ] {يوسف:11} .. ؟ أيمكن أن يكون يوسف أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟ لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟ وردًا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي -بطريقة غير مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب: [قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ] {يوسف:13} . ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله .. نحن عشرة من الرجال .. فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك .. لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه. وافق الأب تحت ضغط أبنائه .. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته!!
(1) قال فضيلة الشيخ عايد بن حافظ الخيبري حفظه الله تعالى: (هذا القائل نقل الأخوة من المفسدة الكبرى ألا وهي القتل إلى المفسدة الصغرى ألا وهي إلقاؤه في البئر ويتحقق غرضهم بإبعاده عن أبيه فعصم الله جل وعلا يوسف عليه السلام [فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] {يوسف:64} .