هو رجل مهم .. رجل من الطبقة الحاكمة في مصر .. إنه وزير من وزراء الملك سماه القرآن (العزيز) ، وهكذا مكَّن الله ليوسف في الأرض .. ويتربى كصبي في بيت رجل يحكم. وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث والرؤى .. وسيحتاج إليه الملك في مصر يومًا .. [وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف؛ فإخوته يخططون على شيء والذي يقع شيء آخر. ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه على يوسف وبداية التمكين له فيقول: [وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ] {يوسف:22} .
المشهد الثامن:
تبدأ فتنة يوسف الثانية، يذكر الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة في كتابه الكريم: [وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] {يوسف:23 - 24} قالت امرأة العزيز لن تفر مني هذه المرة، وأغلقت الأبواب ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه .. ويقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلًا: [قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] {يوسف:23} أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجُب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه ثم [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] {يوسف:24} اتفق المفسرون حول همها بالمعصية، واختلفوا حول همِّه والصحيح أن المراد بهمِّه خطرات حديث النفس حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق ثم أورد البغوي ههنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: (يقول الله تعالى: إذا همَّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها وإن همَّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإنما تركها من جرَّائي فإن عملها فاكتبوها بمثلها) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها. ويبدو أن يوسف عليه السلام آثر الانصراف متجهًا إلى الباب فارًا من موطن التهمة لأن فراره يقتضي تجنب أسباب الفتنة ولكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفعها الشهوة لذلك. فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة. فتح الباب زوجها العزيز.
وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب حاضرًا على السؤال البديهي الذي يطرح الموقف. فتقول متهمة الفتى: [قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {يوسف:25} واقترحت هذه المرأة و بيَّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع عن نفسه: [قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي] {يوسف:26} تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بيَّن كيفية تبرأة يوسف من هذه التهمة الباطلة [وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ