تتذكر أن كثيرًا من الناس عندما أمَّنوا سكنهم، ووجدوا فيه ما كانوا يرغبون فيه من المكيفات والفرش والأضواء، والتهئية، اطمأنوا إلى مكانهم وأيقنوا أنهم وجدوا بغيتهم وحصلوا على راحتهم المنشودة ولكنه في لحظات قليلة يفقد كل هذا فيصير ركامًا أسود قد احترق أو لعبت به النار يمينًا وشمالًا، وأنت تتذكر هنا أن المقابل هو الجنة الباقية الخالدة"وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [الزخرف:71] . يقول الله فيها"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماَ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [السجدة:16-17] .
ويقول فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه -عز وجل- أنه قال"أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (35) .
فتجعل همك ذلك الخلود الباقي الدائم ولا تتعلق نفسك بزخارف هذه الدنيا وشهواتها وما فيها، لأنك قد شاهدت فناءها وشاهدت لعب النار فيها ومصيرها وما آلت إليه خلال دقائق معدودة، فمن رأى أثر النار حتى في الفولاذ والحديد، ورأى هذه المكيفات التي كانت معدة لتمام الراحة والهدوء والطمأنينة، عادت ركامًا أسود غير نافع يتأذى منه رائيه، ورأى آثار النار عليها يتذكر أن جسده لا يقوى على النار، لا يقوى على نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة، كل هذا مما يزيد منسوب الإيمان لديه ويتيح له فرصة لعله يتقرب إلى الله فيها.
وفي الختام أسأله سبحانه أن يجعلنا أجمعين ممن يعقلون أمثال هذا القرآن ويفهمون ما ضربت له هذه الأمثال فإن الله سبحانه وتعالى يقول:"وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ" [العنكبوت:43] .
نفعنا الله بما علمنا وعلمنا ما ينفعنا، وتقبل حجنا.