ثم إذا جاء شيء من هذا القبيل - أعني ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحدٍ من الصحابة - الذين لم يكونوا قبل إسلامهم من أهل الكتاب - بطريق صحيح ؛ فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول يقبل ولا يرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تصديقهم، وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله ؛ لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ممن سمعه منه أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب، ولاسيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلًا بالنسبة لغيرهم من التابعين ومن يليهم.
أما إن جاء شيء من هذا عن بعض التابعين فهو مما يتوقف فيه ولا يحكم عليه بصدق ولا كذب، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب ؛ لما عرفوا به من كثرة الأخذ عنهم (6) .
وبعد: فهذه هي الإسرائيليات، وهذه هي أقسامها وحكم كل قسم منها فلم يبق بعد ذلك مقال لمغرض أو مبطل أن يطعن في نقلها من الكتب السابقة، وإنما تكون الملامة على من قبلها دون تمحيص ولم يميز بين ما يقبل منها وما يرد، وكذا تكون الملامة على من حشر كتبه منها، وجعلها تفسيرًا لكلام الله تعالى كما صنعه جماعة من المفسرين عفا الله عنا وعنهم أجمعين.
الفصل الأول:
ذكر الداخلين في الإسلام من الصحابة الكرام
قبل الشروع في سياق تفاصيل هذا الفصل لا بد من الإشارة إلى منزلة الصحابة رضوان الله عليهم، إذ هم عدول بتعديل الله جل وعلا لهم، وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم. ولو أردنا ذكر النصوص الواردة في فضلهم كتابًا وسنة لطال بنا المقام ولكن أشير إلى بعضها..
* يقول الله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم} (التوبة:100) .