وهذا الذي أنكره معاوية - رضي الله عنه - على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في هذا الإنكار فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب يعني: فيما نقله لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق, ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شيء منها بالكلية فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض أ. هـ (29) .
قلت: وعامة من طعن في كعب يتذرع بأن ما نقله كعب فيه دس وتشويش والحق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وضع لنا قاعدة محكمة نرجع إليها في عامة الروايات الإسرائيلية سواء ما رواه كعب أو رواه غيره من أهل الكتاب وهي ما رواه البخاري مرفوعا ـ كما مضى: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) .
وجماع هذه القاعدة:
تصديق ما صدقه الشرع الإسلامي ـ مما جاء عنهم، وتكذيب ما كذبه ـ مما جاء عنهم، والتوقف فيما سوى ذلك.
نعود إلى الثناء على كعب بسياق ما قاله فيه الحافظ الذهبي رحمه الله:
العلامة الحبر جالس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ويأخذ بالسنن عن الصحابة وكان حسن الإسلام متين الديانة من نبلاء العلماء وكان خبيرًا بكتب اليهود له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة أ. هـ (30)
ـ وفاته: توفي رحمه الله بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه قال ابن حبان: مات سنة 34هـ وقد بلغ (104) سنوات (31) .
الخاتمة:
الحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وسرًا وجهرًا الحمد لله على ما
من به من إتمام هذا العمل الذي أحتسب على الله أجره في الدارين.
ـ لقد تناولنا في هذا البحث أنموذجين من رجالات خير القرون من الذين ذاقوا حلاوة الإيمان بعد أن عرفوا الباطل سنوات.