بل إن العداوة للإسلام تطفح بها هناك نفوس! والنصارى العرب الذين هاجروا إلى استراليا أسوأ الناس قولا، وأشدهم حملا على الإسلام، وتحريضا على تعطيل شعائره ورفض الحكم به. ولقد تحولت الهزائم العسكرية القديمة إلى انتصارات عزيزة في ميدان الكشوف الجغرافية.. وثم أمر آخر هو في نظرى أهم من هذه الكشوف، إن الأوربيين نظروا إلى الحياة الإسلامية التى تفوقت عليهم ونقلوا عنها أعظم خصائصها.. ويبدو ذلك في ميدانين عريضين أولهما ميدان الإصلاح الدينى الذى تمخض عن ظهور المذهب"البروتستانتى"وعن انكماش سلطات البابا الروحية والسياسية انكماشا كبيرا. وأذكر أنى قرأت رسالة في هذا الموضوع للشيخ أمين الخولى، وهو رجل عقلانى كما يعبر البعض عن منهجه وفكره، أعنى أن الحماس للإسلام لا دخل له في تأليف هذه الرسالة. ولا ينكر العقلاء المحايدون أثر الإسلام في هذه الحركات الإصلاحية التى شملت أوروبا كلها. والميدان الثانى الذى ظهر فيه التأثر بالإسلام هو تيقظ العقل الأوروبى بعد رقاد ظل بضعة عشر قرنا، وبدء عصر الإحياء، والمنطق التجريبى وإقصاء الظنون والأوهام وإيثار الحقائق والبدهيات.. وكان رجال الدين يعرفون أثر الإسلام في هذه النهضة، ويخافون أن تكون مهادا للترحيب بالإسلام، والتمهيد لعقائده، من أجل ذلك قاتلوها بشراسة وغضب. وقتل عدد كبير من رواد عصر الإحياء، ووضعت الكنيسة عقوبات صارمة للقضاء عليهم إلا أن الموجة كانت أكبر منها، فانتصر العلم المادى، وعرا الدين انكماش شديد وهوان أشد! يبد أن رجال الكنيسة سرعان ما أفاقوا من غمرتهم، وواءموا بين مطالبهم والنجاح العلمى الغالب، وأسدوا خدمات جليلة للاستعمار، وأطماع الحكومات المدنية التى تملك أزمة الأمور... فلما كان القرن التاسع عشر الميلادى ـ الرابع عشر الهجرى تقريبا ـ كان المسلمون في مواقف لا يحسدون عليها، بل كانت أمورهم كلها في إدبار!063