الاستعمارين الثقافى والعسكرى في وادى النيل وأقطار المغرب انفتحت انفتاحا قويا على تفكير المدرسة السلفية، وقد رأيت جمعية العلماء في الجزائر ـ وهى الأساس الروحى والعملى لحزب التحرير ـ ورأيت جماعة060
الإخوان المسلمين في القاهرة ودمشق وغيرهما يجعلون الإطار السلفى ضابطا لأنشطتهم المدنية والعسكرية. وكان التجميع المتصل لأعضاء هذه الهيئات قائما على أخوة وثيقة العرا، تتحاب بروح الله وترطب الألسنة بذكره، وتحوِّل الإيمان النظرى إلى مشاعر جياشة وعواطف فوارة... كأنها صدى للتربية التى رحب بها ابن تيمية عندما أثنى على الجيلانى والجنيد، أو التى تلبس بها ابن القيم وهو يكتب طريق الهجرتين وغيره أى أنهم حكموا التصوّف بالفقه وكرهوا الجلافة وبرودة النَّفَس!! لاسيما ونحن أمة مزقها الخلاف وتربص بها الأعداء من كل حدب وصوب..! سألنى رجل عن قول البوصيرى في مدح الرسول: فإن من جودك الدنيا وضَرَّتها ومن علومك علم اللوح والقلم! فقلت: هذا كلام لا يجوز، وهو إطراء نهينا عنه، وأرى أن التعبير خانه فجره إلى ما لا يليق، وقدْرُ رسول الله عظيم، وكان يمكن الثناء عليه بخير من ذلك! قال: هذا شرك، وصاحبه مرتدٌّ عن الإسلام! قلت له: عندما تلتقيان عند الله يوم البعث، فاتهمه بالشرك، وسوف يتهمك بالافتراء، ويحكم بينكما علام الغيوب! أما أنا الآن فلا أحب أن أجعل من هذه القضية علكا يمضغ، ولدىَّ من شئون الإسلام والمسلمين ما هو أولى بالاهتمام.! إن السَّبَّ والتشفِّى لا يحلان مشكلة.. على أن مدح الرسول بهذا الأسلوب، والدفاع عن التوحيد بهذا الأسلوب لا يقدمان خدمة حقيقية لديننا، فهناك خطوات عملية أجدى، اتبعها أعداء الإسلام في نصرة عقائدهم، وفى تطويق رسالتنا، ألفتُ النظر إليها في الفصل التالى، لعلَّنا نرعوى!!061