السائد هناك، إن العلوم الدينية التى تستند إلى المسيحية لا تقدر على السير بالإنسانية، لا سيما في هذا الطور الذكى من أطوارها..055
ومن هنا اتسع نطاق البحث في علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون والأخلاق والسياسة والتاريخ... الخ. وفى هذه الدراسات الإنسانية جوانب كشافة لأغوار النفس وطبائع الجماعات البشرية لا معنى لتجاهلها، وفيها جوانب تتفق مع وجهات نظر إسلامية ليست مما يرتضيها السلفيون اليوم، وهذه لا معنى للضراوة في محاربتها، وفيها جوانب محايدة لا ضد الدين ولا معه، فما قيمة مخاصمتها؟ وفيها جوانب ينكرها المسلمون كافة، وقد ينكرها أهل الأديان جميعا، فهذه تحارب بوسائل علمية لبقة، ويصرف أهلها عنها بالإقناع لا بالسلاح، حتى لو كان السلاح بأيدينا، فكيف ونحن عزل مستضعفون؟ والدراسات الإنسانية والفلسفية قرعت أبوابنا، ودخلت دار الإسلام بإذن أو بغير إذن فما جدوى تجاهلها ومنع دراستها؟ إن الدروس التى تسمَّى دينية، تكاد تكون صفرا من الحقائق المثيرة، وما يكترث بها إلا الدهماء، ولو اطلع عليها قارئ متجرد لجعلها نتاجا عقليا للفكر الإسلامى من بضعة قرون! وهذا التخلف يضر الإسلام ويلحق به هزائم شنعاء بين الطوائف المستنيرة.. وقد رأيت جهودا مخلصة للأستاذين محمد المبارك رحمه الله، وعبد الوهاب أبو سليمان عافاه الله في إضفاء الصبغة الإسلامية على العلوم الإنسانية، ولكن الأمر أكبر من جهود رجلين مهما كانت عبقريتهما.. وقادة الفكر السلفى يوم يجوسون أقطار الغرب، وحصيلتهم فقيرة في الدراسات الإنسانية والفلسفية، فلن يجدوا من يفتح لهم أقطار قلبه، بل لن يجدوا من يفتح لهم نافذة صغيرة!! إن زعيما غربيا مثل"رجاء جارودى"لا يلفته من ابن القيم مثلا إلا كتاب"مدارج السالكين"أو كتاب"طريق الهجرتين"! وأكثر السلفيين يضيقون بالكتابين، ويهتمون بالجانب الفقهى وحده! والسبب في ذلك فقر الغربيين المدقع في النواحى الروحية!