قال صاحب"سبل السلام": لا أدرى، ما وجه وجوب الهرب عليه..؟ قالوا: ولا يجب الدفاع عن المال! بل يجوز له أدن يتظلَّم! إلا أن علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان (!) للآثار الواردة بالصبر على جوره، فلا يجوز دفاعه عن أخذ المال...". أرأيت إلى أين يتجه الشارع وإلى أين يتجه الشارح؟؟ لست أشك في أن هذه الشروح دفعت إليها الرهبة الجبانة، وأن إرسالها على هذا النحو خدم الملوك الجورة والسلاطين المستبدين، وأتاح لهم فرض ما يشاءون من ضرائب ومصادرة ما يشاءون من أملاك، دون تهيُّب مقاومة أو توجُّس عصيان.. ورياضة الجماهير على قبول الضيم، بفتوى شرعية (!) أفقدت الشعوب ملكة الشجاعة، ووطأت ظهرها للاستعمار الخارجى، وكان ذلك يقع في البلاد الإسلامية في الوقت الذى كانت الأمم الأخرى تصرخ بالدفاع عن الدم والعرض والمال، وتشرع الدساتير التى تقرر ذلك ! أى أن قوانين الفطرة تستعلن هناك، وتموت عندنا بتمويت النصوص التى تدل عليها وتأمر بها.. ومن أمثلة تحريف الكلم عن مواضعه أن يجىء في القرآن الكريم"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..."فإذا مفسر قاصر تائه يقول: بل هناك إكراه في الدين والآية منسوخة! من نسخها أيها المسكين؟ الواقع أن أجهزة الدعوة الرسمية والشعبية أصابها عطب رهيب، فلما نكلت عن أداء حق الله في البلاغ وتبيين الرشد من الغى، أتى من يزعم أن السيف يُغنى عن الإعلام، وأن القوة طريق الإقناع، وهذا من أكذب الكذب على الله ورسوله، ولم يقع قط أن صاحب الرسالة أكره أحدا على دينه.. الذى وقع أن السلاطين الجهلة لا تدرى ما رسالة الأمة؟ ولا تحسن البيان والهداية، وربما مالت إلى التوسع والسطو والغزو! ووجدت من علماء الدين من يعينها على ذلك.. وفى عصرنا هذا، متحدثون إسلاميون كأنما أصابهم سعار، فهم يرددون بإلحاح منكر أن الحاكم لا يلتزم بالشورى. ومعلوم أن الأمة الإسلامية تتدحرج إلى الهاوية من عدة قرون لما"