... لا ينفك الداعية من سفر إلى الله تعالى. متخذًا إياه وحده هاديًا ومعبودًا، وغاية ومقصودًا، فلا يطمئن قلبه إلا بذكره، ولا تسكن نفسه إلا إليه، فبه يسمع، وبه يبصر، وإن بطش بطش بالله، وإن مشى مشى الله، ويتخذ من رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحده دليلًا وإمامًا، وقائدًا وزعيمًا، ويفرده بالمتابعة والاقتداء، ويتخلق بأخلاقه وآدابه وهو -بهذا السفر بمعانيه الحقيقية والمجازية - له في كل وقت هجرتان:
... (هجرة إلى الله: بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل، والإنابة والتسليم، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصدق اللجوء، والافتقار في كل نفس إليه00)
... (وهجرة إلى رسوله: في حركاته وسكناته، الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه، الذى هو تفصيل محاب الله ومرضاته 00) (1) 0
... وهاتان الهجرتان من جملة معانى السفر القاصد في قطار الدعوة، وبهما يتوضح الطريق، إذ إن كل الطرائق مسدودة، إلا لمن اقتفى سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في إتباع أحكام الشريعة، دونما غلو أو تقصير، وبهذا الطريق تتحقق السعادة التى تدور نفيًا وإثباتًا، مع ما أراده خالق النفوس العالم بها، وجدير بالداعية أن يجعل لحظات عمره كلها، تدور في الاستعداد للرحيل، والتشمير في العمل مع القافلة، ومعرفة أبعاد الطريق، وأن يتنافس في التشمير عن الهمة، التى يسعى لها السابقون، حتى تقر عينه، وتأنس وحشته، وبسلوك الطريق الصائب، يذهب عن المسافر الخوف، ويرفع عنه الحزن، ويطمئن به القلب، فتسكن نفسه إلى الله وحده، وتخلص محبته لله وحده، ويقتصر خوفه عليه، حتى ينال رضوانه0
الرفيق قبل الطريق
(1) طريق الهجرتين: 4 0