... ومن الصبر، صبر القادة وما به من صبر على الأتباع، وما يظهر منهم من متاعب وأذى، والصبر على حاجتهم ومطالبهم، والصبر على استعجال الجنود وإلحاحهم، والصبر على المداراة والرفق، والصبر على متاعب الطريق، وصبر على التكاليف، إذ إن القدوة أو القائد من الدعاة قد يطلب منه مالا يطلب من غيره من حسن العشرة، وطيب التعامل، وأداء الحقوق، والسعى في حاجات الناس، وكل ما يشكل عليه عبئًا إضافيًا، وهو بشر محدود القابلية، ومحدود القدرة، ومحدود الطاقة، وبحكم كونه قدوة قد تكبر منه الهفوة، وتضخم منه الزلة، ويتعرض إلى قالة الغيبة، وحكايات الألسن، بل قد يناله من الأذى الشىء الكثير، ما يدعوه إلى المزيد من الصبر، ولهذا تحمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير وهو أعدل الناس وأشفقهم، ومع هذا فقد أوذى حتى قال: (( قد أوذى موسى بأكثر من ذلك فصبر ) ) (1) 0
... (إن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك يتلقون ذلك بالصبر والحلم، كما صنع النبى - صلى الله عليه وسلم - اقتداء بموسى عليه السلام) (2) 0
... ومن جهة أخرى قد يحتاج الداعية نفسه إلى الصبر على أمير، وما قد يلحقه منه مما يكره بسبب الحدة في الطبع، أو الاستئثار، أو الحزم المتشدد، أو غلظة في القول، أو تخشين في النصح، مما لا يخلو منه البشر، ولا يتجرد عنه القادة، وأحيانًا يكون سبب الكراهة من التابع لحساسية في طبعه، أو سوء في فهمه، ومما يعذر الأمير فيه، كل هذه الملابسات بين التابع والمتبوع، مما يحصل بسبب الطبيعة البشرية، والتى تحصل في كل مجموعة عمل معًا، لابد لها من الصبر، ولهذا أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - به فقال: (( من رأى من أميره ما يكره فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبرًا فمات مات ميتة جاهلية ) ) (3) 0
وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر
(1) الأدب المفرد للبخارى 0
(2) فتح البارى: 10/512 0
(3) رواه البخارى 0