... والجماعة لا تتحقق إلا بأمير أو قائد، وقد جرت سنة الله تعالى فىكل خلقه، بذلك، فلو نظر الإنسان إلى قطعان الماشية لرآها تنقاد خلف واحد منها، ولو أبصر أسراب الأسماك في الماء، والطيور في الهواء لرآها زرافات وأسرابًا، اقتضاء لتطبيق حكمة الله تعالى، لأن مصالحها لا تتم إلا بهذا الاجتماع، فهو الذى يشكل منها قوة تحمى بها نفسها، وبالجمع تتآلف، وبه تتم مصالحها من إحضار القوت، وأداء العمل وتكامل المهمات، وفوق ذلك حفظ النسل والنوع، وقد وجه الله تعالى أنظار البشر للتفكر في ممالك النحل والنمل، وكيف تجرى سنته في إجراء مصالحها وهى في جماعاتها وأسرابها 0
... وما تجرى به سنة الله تعالى في هذه الخلائق تجرى على البشر بكل أجناسهم ومذاهبهم، إذ لابد لهم من التعاون والتناصر، والذى لابد له من أمر ونهى اللذين هما ركن الإمارة ومقصد التأمير0
... (كل بشر على وجه الأرض فلابد له من أمر ونهى، ولابد أن يأمر وينهى، حتى لو كان وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى:(( إن النفس لأمارة بالسوء 000 وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلابد أن يكون بينهما ائتمار بأمر، وتناه عن أمر، ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل: (( الاثنان فما فوق جماعة ) )00 وأما الأمور العادية ففى السنن أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا أحدهم عليهم 000) (1) 0
(1) فتاوى ابن تيمية: 28/168 0