... والعلم المقصود هو الموصل للآخرة، وهو النافع في رحلة السفر، والذى أراده الله رحمة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة الله على عباده أجمعين، وهو العلم الذى يهدى به الله لأقوم الطرق وأحسن السبل، حيث يفتح الله به قلوبًا غلفا، وأعينا عميًا وآذنًا صمًا، وهو العلم الذى تشرق به الظلمات، وتتألف به القلوب، وقد حدد الرسول- صلى الله عليه وسلم - العلم بثلاثة أمور:
... (( العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى ذلك فهو فضل الله ) ) (1) 0
... فالآية ما أراده الله تعالى لنا من أجل سلامة العقيدة، ومعرفة أسمائه وصفاته، لحسن عبادته، وبه تصح العبادة للتقرب إليه، وبه يقوم السلوك لكسب مرضاته، والسنة لمزيد الرضا منه، وتطبيق منهاجه، والفريضة لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهذا هو صلب العلم الذى نتعبد الله به، وبه يباهى الله الملائكة، ويسببه يستغفر الحوت في الماء، والطير في الهواء لمعلمه، وما عدا ذلك فهو ملح العلم وحواشيه، ومن فضل المعرفة وتوابعها، وهو من ظواهر العلم التى تحسين الأداء، وتدفع العمل، ويبقى جوهر العلوم العلم الشرعى فهو للخير مفتاح، وللهداية مصباح، وهو عمدة الشريعة ورأسها، ومبنى الحياة وأساسها، وعليه مستقبل الإنسان وقطب مداره، وحسن معيشته ومحط سعادته0
... وإلى بيان بعض مميزات العلم المراد ونخص منها ثلاثة:
العلم قبل العمل
... وهكذا قال المصنفون، وهم يقتدون بصنيع الإمام البخارى - رحمه الله - لقول الله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } (محمد: 19) فبدأ بالعلم بالتوحيد ثم أردفه بالاستغفار وهو من مظاهر العمل، بل وليس للعلم السبق فقط، وإنما المكانة لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( فضل العالم على العابد، كفضلى على أدنى رجل من أصحابى ) ) (2) 0
(1) رواه أبو داود وابن ماجة 0
(2) رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح 0