القول الثالث: عدم التفريق بين التصدق بالمال الحرام على الفقراء
والمساكين وبين الرد إلى بيت المال الذي يتولى المصالح العامة
للمسلمين، فإن رأى من بيده مال حرام أن يتحلّل منه بالتصدّق به
على الفقراء والمساكين جاز له ذلك، وإن رأى أن يجعله في المصالح
العامة للمسلمين فله ذلك.
وهذا رأي الداودي من المالكية ( [127] ) ، ورأي شيخ الإسلام ابن
تيمية ( [128] ) ، ورأي الغالبية العظمى من العلماء
المعاصرين ( [129] ) ، وإليه ذهب مجمع الفقه الإسلامي في دورته
التاسعة، وأعضاء المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي.
ففي جوابٍ للداودي عمن تاب وبيده مال حرام فأجاب:"توبته تزيل"
ما بيده إما للمساكين، أو ما فيه صلاح المسلمين" ( [130] ) ."
وقال ابن تيمية:"فهذه الأموال التي تعذّر ردها إلى أهلها لعدم"
العلم بهم مثلًا هي ما يُصرف في مصالح المسلمين عند أكثر
العلماء، وكذلك من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب،
والخائن التائب، والمرابي التائب ونحوهم من صار بيده مال لا
يملكه ولا يعرف صاحبه، فإنه يصرفه إلى ذوي الحاجات ومصالح
المسلمين" ( [131] ) ."
وجاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة 1406هـ:""
كل ما جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا، ولا يجوز
أن ينتفع به المسلم في أي شأن من شئونه، ويجب أن يُصرف في
المصالح العامة للمسلمين من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من
باب الصدقة، وإنما هو من باب التطهر من المال الحرام، ولا يجوز
بحال ترك هذه الفوائد الربوية للبنوك لتتقوّى بها" ( [132] ) ."
الرأي الراجح: القول الثالث هو الرأي الأولى - في نظري -؛ لأنه
لا مسوّغ في التفرقة بين الدفع إلى الفقراء والمساكين، وبين صرفه
في المصالح العامة للمسلمين.
والنصوص من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة تؤيد هذا
الرأي
أولًا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ المال من ابن
اللتبية لما بعثه على الصدقة فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أفلا قعد في بيت أبيه أو في"
بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟" ( [133] ) فجعل النبي صلى"