ربما صُرف عن فساد بيت المال إلى غير مصرفه، وأيضًا فالفقراء
مستحقون من بيت المال، فإذا وصل لهم هذا المال على غير يد الإمام
فقد حصل المقصود" ( [119] ) ."
وقد ذهب إلى هذا الرأي من المعاصرين: الشيخ الزرقا ( [120] )
والشيخ فيصل مولوي ( [121] ) .
فقد قال الشيخ الزرقا في إجابةٍ عن سؤالٍ عمن وضع ماله في مصرفٍ
ربوي واستحقّ عليه فائدة فقال"فعليه أن يأخذ تلك الفائدة التي"
يحتسبها المصرف الربوي عن ودائعه لديه، ويوزّعها على الفقراء
حصرًا وقصرًا" ( [122] ) ."
ويعيب الشيخ فيصل مولوي على بعض المعاصرين إباحة صرف الفوائد
الربوية في المصالح العامة للمسلمين، بينما الواجب حصرها في
فقراء المسلمين؛ لأنهم المالكون لهذه الأموال ولا تتحقّق هذه
الملكية إلا بالقبض، فإذا صُرفت في المصالح العامة لم يتحقّق
القبض.
والأدلة الشرعية تؤيّد ملكية الفقراء لهذا المال، وليس ملكية
المسلمين له، وعلى من يقول بصرف المال الحرام في المصالح العامة
أن يثبت بالدليل الشرعي جواز تملّك المسلمين لهذا المال ( [123] ) .
وقد يكون السبب الذي دعا بعض المعاصرين إلى حصر مصرف المال
الحرام في الفقراء والمساكين عدم وجود بيت مال للمسلمين يتولى
إنفاق هذه الأموال في المصالح العامة
للمسلمين، فإذا قيل بإنفاقها في مصالح المسلمين العامة ربما تؤخذ
وتُوضع في غير موضعها فتضيع على مستحقّيها.
القول الثاني: أن المال الحرام إنما مصيره إلى المصالح العامة
للمسلمين، ولا يكون سبيله الفقراء والمساكين. وقد ذهب إلى هذا
الرأي كثير من متأخري المالكية، وكثير من الشافعية ( [124] ) .
ففي المعيار المعرب:"ومن تاب ممن الغالب على ماله ما وصفت، أي"
الغالب على ماله صفة الحرام، فالأصل خروجه عنه لبيت مال
المسلمين، أو لمن يعمل فيه ما يعمله أمير المسلمين من صرفه في
مصالحهم، الأهم فالأهم بحسب الحال على أظهر القولين عندي، وقيل:
يصرف للفقراء ولا يبيعه؛ لأنه كاللقطة" ( [125] ) ."
وقال التواتي:"إن المعروف من المذهب أن مال هؤلاء المتلصصين"
المستغرقين الذمة حكمه حكم الفيء يُصرف في جميع منافع المسلمين،
وقيل: يُصرف للأصناف الثمانية المذكورين في آية الزكاة" ( [126] ) ."