ثم ذكر عن الليث بن سعد [1] وأحمد بن حنبل [2] والمزني [3] والمتأخرين من أصحاب أبي حنيفة [4] والشافعي [5] أنّهم اختاروا قيام شهر رمضان في المسجد، وما احتجوا به، ثم قال:
وقد احتج أهل الظاهر في ذلك بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ) ) [6] ويروى: (( بسبع وعشرين درجة ) ) [7] ولم يخصّ فرضًا من نافلة.
قال: وهذا عند أكثر أهل العلم في الفريضة، والحجة لهم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه: (( صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة ) ) [8] قال: وهذا الحديث وإن كان موقوفًا في الموطأ [9] على زيد بن ثابت فإنه قد رفعه جماعة ثقات، فإذا كانت النافلة في البيت أفضل منها في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصلاة فيه بألف صلاة فأي فضل أبين من هذا؟ ولهذا كان مالك والشافعي رحمهما الله ومن سلك سبيلهما يرون الانفراد في البيت أفضل في [كلّ] [10] نافلة، فإذا قامت الصلاة في المسجد [11] في رمضان ولو بأقل عدد فالصلاة حينئذ في البيت أفضل. انتهى كلام ابن عبد البر [12] .
وقال أيضًا في موضع آخر من هذا الكتاب:
وفيه أيضًا - يعني حديث زيد بن ثابت المذكور - دليل على أنّ الانفراد بكلّ ما يعمله المؤمن من أعمال البر ويسره ويخفيه أفضل، ولذلك قال بعض الحكماء: إخفاء العلم هلكة، وإخفاء العمل نجاة. [
(1) انظر: مختصر اختلاف العلماء للجصاص 1/ 314، البيان والتحصيل 17/ 42، طرح التثريب 3/ 96.
(2) انظر المغني 2/ 605.
(3) مختصر اختلاف العلماء 1/ 314.
(4) صرح ابن عبد البر بذكرهم وهم: عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران والطحاوي، وانظر: التمهيد 8/ 117.
(5) صرح بذكرهم أيضًا وهم: المزني وابن عبد الحكم، وانظر: التمهيد 8/ 117.
(6) أخرجه البخاري كما في صحيحه مع الفتح 2/ 131 (646) ، ومسلم 1/ 450 (649) .
(7) أخرج هذه الرواية أيضًا البخاري ومسلم كما في الصفحات السابقة.
(8) تقدم تخريجه ص 40.
(9) الموطأ 1/ 130 ولفظه: (( أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا صلاة المكتوبة ) ).
(10) زيادة من الاستذكار.
(11) في الاستذكار: المساجد.
(12) انظر: الاستذكار 5/ 158 - 164.