الصفحة 25 من 37

وهذا الخلاف يقتضي [4/ ب] أن يكون التطوع في المسجد الحرام أفضل منه في البيت إذ لا يصح التفاضل بين الطواف الذي لا يصح فعله إلا في المسجد وبين الصلاة التي هي مفضولة بالنسبة إلى فعلها في البيوت، والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتحصّل من هذا كله اضطراب النقل في النوافل: هل فعلها في المساجد الثلاثة أفضل أو في البيوت؟

والذي تقتضيه الأحاديث عند المحققين أنّ فعلها في البيوت أفضل، إلا ما شرع له الجماعة كالعيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح، وكذا ركعتي الطواف اتباعًا لفعله - صلى الله عليه وسلم - لهما خلف المقام، وكذلك تحية المسجد لاختصاصها بالمسجد، وما عدا ذلك ففعله في البيت أفضل لدخوله تحت قوله - صلى الله عليه وسلم: (( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) ) [1] ، وعدم ما يدل على إخراجه من هذا العموم.

وهذا الذي اختاره الإمام أبو عمر بن عبد البر [2] ، ونقله عن جماعة من الصحابة، وحكاه أيضًا عن نصّ الشافعي، كما سيأتي إن شاء الله.

أمّا الأحاديث الدالة على ذلك ففي الصحيحين عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: (( احتجر النبي - صلى الله عليه وسلم - حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أو حصير في المسجد ) )وفي رواية: (( رمضان ) ) [3] فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيها. قال: فَتَتَبَّعَ [4] إليه رجال [5] وجاءوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغضبًا فقال: (( ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنّه سيُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ) ). وهذا لفظ مسلم [6] .

(1) تقدم تخريجه ص 31.

(2) انظر: الاستذكار 5/ 164، والتمهيد 8/ 120، وص 22 من هذا الكتاب.

(3) وهي من حديث عائشة رضي الله عنها عند الإمام أحمد 6/ 267، وأبي داود 2/ 104 (1374) .

(4) فتتبع: أصل التتبع: الطلب. ومعناه هنا: طلبوا موضعه واجتمعوا إليه. اهـ من شرح النووي على مسلم: 6/ 69.

(5) في الأصل: (( رجلان ) ). والتصويب من مصادر تخريج الحديث.

(6) صحيح مسلم 1/ 539،540 حديث رقم (781) ، وهو في البخاري مع الفتح 2/ 214 (731) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت