قال ابن كثيرٍ رحمه الله:"هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في التأسي برسولِ الله ( في أقواله وأفعاله وأحواله ؛ ولهذا أُمِرَ الناسُ بالتأسي به يوم الأحزابِ: في صبرِهِ ومصابرتِهِ ومرابطتِهِ ومجاهدَتِهِ وانتظارِهِ الفرجَ من ربه عزَّ وجل ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تضجَّروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ؟ ولهذا قال: ( لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ("(66) .
هذه القدوة الحسنة إنما يتأسى بها ويترسَّمُ خُطاها ويقتدي بهداها من عَمُرَتْ بالإيمانِ قلوبُهم وترطَّبتْ بالذكر أفواهُهُم ( ? ? ? (: يلتمسُ محبته ويبتغي مرضاتَه ويرجو رحمته ويطمع في ثوابِه وجنته ، ويؤثر ما يبقى على ما يفنى فلا يجبن عند اللقاء .
( وذكر الله كثيرًا (: دَاوَمَ على ذكرِهِ تعالى ، فبذكرِهِ تطمئنُّ القلوبُ وتنشرحُ الصدورُ وتنجلي الهمومُ ، وتنفرجُ الكروبُ ، وتنشطُ الجوارحُ ، وتُستمطرُ الرحماتُ ، وتتنزلُ البركاتُ وتهبُّ النفحاتُ ، ويأتي النصرُ المبينُ .
و"بِذِكرِ الله يسهُلُ الصعبُ ويتيسرُ العسيرُ فما ذُكِرَ اللهُ عز وجل على صعبٍ إلا هان ولا على عسيرٍ إلا تيسَّر ولا مشقةٍ إلا خفَّتْ ولا شدةٍ إلا زالتْ ولا كُرْبَةٍ إلا انفرجتْ ، فذكرُ اللهِ تعالى هو الفرجُ بعد الشدةِ ، واليسرُ بعد العسرِ" (67)
"وذكر الله عز وجل يُذْهِبُ عن القلبِ مخاوفَهُ كلَّها وله تأثيرٌ عجيبٌ في حصولِ الأمنِ فليس للخائفِ الذي قد اشتدَّ خوفُهُ أنفعُ من ذكر الله عز وجل إذ بحسبِ ذكرِهِ يجدُ الأمنَ ويزولُ خوفُهُ حتى كأنَّ المخاوفَ التي يجدُهَا أمانٌ له" (68) .