مِنْ فَرْطِ خوفِهِم وشدَّة فزعِهم ونتيجةً لحساباتهم الخاطئة:لم يخطرْ ببالهم أن تلك الجموعَ الحاشِدة المُتَحفِّزةَ الرابضةَ على أبوابِ المدينةِ يمكنُ أن تعودَ دونَ أن تحقَّق أهدافَها التي جاءت من أجلِها وهي القضاءُ على الإسلامِ والانقضاضُ على المسلمينَ ، حتى بعد أن فرَّت تلك القُوى من مواقعِها وعادت من حيث جاءتْ لم يصدقِ المنافقينَ بادئ الأمرِ تلك النتيجةَ المُذهلةَ التي قلبت موازينَهم وخيبت ظُنُونَهم ، وبدَّدت أحلامَهم ، ومع ذلك فلو أعادَ الأحزابُ الكرَّة لأعاد المنافقون موقفَهم المتخاذلَ دون أن يعتبروا من المرَّةِ الأولى ويستفيدوا من الدرسِ السابق ولفرُّوا هذه المرَّة إلى أعماقِ الباديةِ ليؤثروا السلامةَ مكتفين بتتبع الأخبار وتقصِّي الأحداثِ من بعيدٍ ، مع أنهم لو حضروا القتال لما قاتلوا إلا النَّذرَ اليسير ، من باب الرياء والسمعة ، وإثبات حضورهم ، لا قتالا جادَّا يحتسبون فيه الأجر والثواب من الله ...
إيثارُ السلامة !
وفي هذه الآية درسٌ لأولئكَ الذين اختزلوا الإسلامِ في أداء بعض جوانبهِ دون مراعاةٍ لشمولهِ ، فتعاملوا مع قضايا الأمة وهمومها وأزماتها بسلبيةٍ شديدةٍ ، وانشغلوا بإصلاح بعض الجوانبِ الدينية ، وأغفلوا في المقابل جوانب أخرى مثل الدعوةِ إلى إصلاحِ المجتمعِ والنهوضِ به ، وتوجيه النصيحة إلى أولي الأمر ، وصدِّ العدوان على الأمة والتصدِّي لمكائدِ أعدائها الذين يتربصون بها ، لكنهم يُغْفِلُونَ كثيرا من هذه الجوانب إيثارًا للسلامةِ ورغبةً في العافيةِ ، ويرضون لأنفسهم بموقف المُتفرِّج على الأحداثِ دون التفاعلِ معها والمشاركةِ في صنعِها والمساهمةِ في تغييرِ واقعِ الأمةِ والتخطيطِ لمستقبلِهَا .
وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ