وفي اللطائف:"... لأَن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها ، وكما قالوا:"إنّ الهاربَ عمّا هو كائن في كفِّ الطالب يتقلبُ"، ( وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاًَّ قَلِيلًا ) : فإنّ ما يدّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ أو قريبٍ لا يُبارَك له فيه ، ولا يجدُ به مَنَعَةً ، ولا يُرزَقُ منهُ غِبْطَةٌ" (53) .
فالموت حتمًا ملاقيكم ، فالجبانُ الرِّعديد الذي يهربُ من قدرِهِ المحتومِ وأجلِهِ المعلومِ يموتُ كلَّ يومٍ مرَّاتٍ ومرَّات .
قال جريرٌ: قُلْ للجبانِ إِذا تأخرَ سرجُهُ * هل أنتَ من شَرَكِ المنيةِ ناجِ ؟
وقال آخر: وَمَنْ لمَ يمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيرِهِ تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحدٌ
يرى الجُبنَ كياسةً وما هو إلا الحماقةُ بعينها:
يرى الجبناءُ أن العجزَ فخرٌ * وتلكَ خديعةُ الطبعِ اللئيمِ
"ويكفيك أن يقالَ في وصفِ الجبانِ إن أحسَّ بِعُصْفُورٍ طار فؤادُهُ ، وإن طنَّتْ بعوضةٌ طالَ سُهادُه يفزعُ من صريرِ البابِ ويقلقُ من طِنينِ الذبابِ ، إن نظرَ إليهِ شزرًا أُغْمِيَ عليه شهرًا ، يحسَبُ خفوقَ الرياحِ قعقعةَ الرماحِ:"
إذا صوَّتَ العصفورُ طار فؤادُهُ ... وليثٌ حديدُ النابِ عندَ الثرائدِ" (54) "
أيُّ يومٍ من الموتِ أفرُّ يومَ قُدِّر أم يومَ لا قُدِرْ
يومَ لا قُدِّر لا أَرهبُهُ ومن المقدورِ لا ينجو الحذِر .
أقولُ لها وقد طارتْ شَعاعًا * من الأبطالِ ويحكِ لن تراعي
فإِنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ * على الأجلِ الذي لكِ لن تُطَاعِي
فصبرًا في مجالِ الموتِ صبرًا * فما نيلُ الخلودِ بِمُستطاعِ
ولا ثوبُ البقاءِ بثوبِ عزٍ * فيطوى عن أخي الخنعِ اليراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍ * فداعِيهِ لأهلِ الأرضِ داعي
وما للمرءِ خيرٌ من حياةٍ * إِذا ما عُدَّ من سقطِ المتاعِ (55)