التفاتٌ من الغَيبةِ إلى الحضورِ وفي هذا تنبيهٌ وتهديدٌ ، حيث التفتَ إليهم بالخطاب المباشرِ بعد الحديثِ عنهم بصفةِ الغائبِ ، لأن وجودَهم كعدمِهم فشأنُهم شأنُ الغائبِ الذي لا يلتفتُ لغيابه ولا يُسألُ عنه لاستواء حضوره بغيابه ، لكنه التفتَ إليهم بالتذكيرِ والوعيد ، وفي الالتفاتِ إليهم بالمخاطبةِ زيادةٌ في الرهبةِ ومدعاةٌ للوَجَلِ ، وأمرَ النبيَّ ( ومن اتبعَهُ أن يبلغَهُم بهذه الرسائلِ الموجهةِ لهم من الله: أن الفرار والحذر لن ينجي من القدر وأنه على فرضِ ما يتوهمون فمهما طال بهم الأمد فلا بدَّ من الموت لا محالة ، فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة ، وعمرٌ تأكله ذراتُ الدقائق وإن كثر قليل .
والمرءُ يفرحُ بالأيامِ يقطعُها وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجلِ
حياتُك أنفاسٌ تُعدُّ فكلَّما مضى نفسٌ منها انتقصتَ بِهِ جُزْءًا
وقوله: ( ? ? ? ? ? ? (: إشارة إلى أن الأمور بالمقادير ولن ينفعهم الفرار ولن تفيدَهم المعاذيرُ ، ثم قال تعالى: ( ? ? ( كأنه يقول ولو فررتم منه في يومكم مع أنه غيرُ ممكنٍ: لَمَا دُمْتُمْ بل لا تُمَتَّعُون إلا قليلًا ، فالعاقلُ لا يرغب في شيء قليلٍ يُفَوِّتُ عليهِ شيئًا كثيرًا ، فلا فرارَ لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلًا ، فعلى فرض توهمهم أن الفرار ينجي من الموت أو القتل: فكم تعيشون وإلى متى تعمرون ؟