قال الشوكاني:"والأقطار: النواحي جمع قطر ، وهو الجانب والناحية ، والمعنى: لو دُخِلَتْ عليهم بيوتهم أو المدينة من جوانبها جميعًا لا من بعضها ، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة ، واستبيحت ديارهم ، وهُتِكَتْ حُرَمُهُم ، ومنازلهم ( ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة ( من جهةٍ أخرى عند نزولِ هذه النازلةِ الشديدةِ بهم ( لآتَوْهَا ( أي لجاءوها أو أعطوها"(47) .
والفتنةُ هنا: هي الكفرُ وموالاةُ الكفارِ والتآمرِ معهم على أهلِ الإيمان .
وقوله ( لآتوها ) : أي لأعطَوها وقدَّمُوها لعدُوِّهم أذلاءَ صاغرينَ دون تردُّدٍ أو تمهلٍ ، قرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي: ( لآتَوْها ) بالمد ، أي لأعطَوها وقرأ نافع وابن كثير ( لأتَوْهَا ) بالقصر أي لفعلوها ، أو لأقبلوا عليها قبل أن تقبل عليهم ، ولخرجوا إلى سكك المدينة وأزقتها يستقبلونَ الكفرة الظافرين استقبالَ الأبطالِ الفاتحينَ بالبشر والترحابِ ، ويزُفُّونهم بالورود والرياحين .
لكن: لو حدثَ ذلك ! فلن يطولَ تمتُّعهم بهذه الحياةِ الجديدةِ: حياةِ الذُّلِّ والعار والغدر والخيانةِ والارتماء في أحضانِ رؤوسِ الكفر ، إذ سرعانَ ما تعودُ الغَلَبةُ لأهلِ الحقِّ فينتقموا من الكفرةِ وأذنابهم ، أو يأخذُهُمُ اللهُ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ ؛ فالموتُ آتٍ وكلُّ ما هو آتٍ قريبٍ .
قال الألوسي:"وما لبثوا بالمدينة بعد إظهارِ كفرِهِم إلا يسيرًا ، فإن الله تعالى يُهْلِكُهُمْ أو يُخْرِجُهُم بالمؤمنينَ" (48) .
ويجوزُ أن يكونَ المعنى: وما تلبَّْثوا: يعني الجيوش الداخلة عليهم بها إلا قليلا حتى يُخرجُها جنودُ الحقِّ ، والذي يتأمل في تاريخنا الإسلامي يدرك أن جموعَ الكفر إذا اقتحمت بلدا من بلاد المسلمين فإنه لا يطول بقاؤهم فيها فسرعان ما تخرج صاغرةً منهزمةً .
وسلِ التاريخَ عن جحافل الصليبيين وزحف التتارِ وغيرِهم ؟