كشفت هذه المحنة عن خبايا المنافقين ومعادِنهم الخسيسة وخلجَاتِ صدورهم التي تنفث حقدا وبغضا لهذا الدين ، وتقطرُ ألسنتُهم بما تمليه عليها قلوبهم التي لم تذق للإيمان طعما ، وإنما أُشربت الشكَّ والخداعَ .
جاءت هذه المحنة لتكشف المستور ، وتهتِكَ الأسرارَ التي انطوتْ عليها صدورُهم ، واجتهدوا في كتمانها ، أسرارٌ لا يتمُّ الإفصاح عنها إلى في مجالسِ الخفاءِ مع شياطينِهم وقُرنائهم .
قال أحدُهم متهكما ساخرا:": يعدُنا محمدٌ فتحَ فارسَ والرومَ وأحدُنا لا يقدِرُ أن يتبَّرزَ فَرَقًا ما هذا إلا وعدٌ غُرُورٌ".
قد كان محمدٌ يعدُنا فتحَ فارسَ والرومَ ، وقد حُصِرَنَا هاهنا ، حتى ما يستطيعُ أحدُنا أن يبرُزَ لحاجَتِهِ ، ما وعدنا اللهُ ورسولُهُ إِلا غُرُورًا. (31)
قيل المنافقون هم: الذين في قلوبهم مرض ، والعطف هنا لتعددِ الوصفِ ، فالنفاقُ مرضٌ قلبيٌّ تظهر أعراضُه على اللسان والجوارح ، وقيل هم قومٌ كانوا إلى النفاق أقربَ ، وكان المنافقون يستميلونهم ويؤثرون فيهم .
قال الألوسي:"هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشُّبَهِ عليهم ، وقيل: قومٌ كانوا ضُعَفَاءَ الاعتقادِ لِقُرْبِ عهدِهِم بالإسلام . وجُوِّزَ أن يكون المرادُ بهم المنافقين أنفسَهم ، والعطفُ لتغايرِ الوصفِ كقولِهِ: إلى الملكِ القَرِمِ وابنِ الهُمَامِ ..." (32) .
وعبر بـ ( ? ? ? ? (: ليوحيَ بأن المرض قد استشْرى فيهم وتمكَّن منهم وتغلغلَ في كلِّ ذرة من ذراتِ قلوبِهِمْ التي لا تنتفض للتخلُّصِ منهُ .